الجمعة، 11 أكتوبر 2024

حكومة للبرهان في بورتسودان وأخرى للدعم في الخرطوم؟… هل يتكرر النموذج الليبي في السودان؟

 أدى فشل المفاوضات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في جنيف بسويسرا منتصف آب/ أغسطس 2024، إلى تصاعد المخاوف من اتّجاه طرفي الحرب في السودان إلى تشكيل حكومتين كلٌ في منطقة سيطرته، لا سيّما مع إعلان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، خلال لقاء مع الصحافيين في بورتسودان أواخر ذات الشهر، عن نيته تشكيل "حكومة مدنية" من التكنوقراط لإدارة شؤون البلاد.

لمزيد من التفاصيل أضغط الرابط التالي:


الخميس، 21 يوليو 2022

(نزيف الشرق) - الجزء الثاني

فيديوهات توثيقية تعرض شهادات حول بعض انتهاكات حقوق الإنسان التي صاحبت أحداث العنف الأهلي في ولايتي كسلا والبحر الأحمر.


(نزيف الشرق) - الجزء الأول

 فيديوهات توثيقية تعرض شهادات حول بعض انتهاكات حقوق الإنسان التي صاحبت أحداث العنف الأهلي في ولايتي كسلا والبحر الأحمر.


الاثنين، 14 مارس 2022

الباحث والناشط النقابي «محمد علي خوجلي» يستخلص دروس ثورة أكتوبر ويكشف عن المجموعة التي سعت لإجهاض شعار «عودة الجيش إلى ثكناته»

- جماهير أكتوبر خرجت من أجل استعادة الديمقراطية والسيادة الوطنية

- جمال عبد الناصر كان لايريد وجود نظام ديمقراطي في السودان


مجموعات سياسية وعسكرية عديدة دعمت ثورة 21 أكتوبر 1964، وأجبرت المجلس العسكري لنظام الجنرال إبراهيم عبود، على تسليم السلطة للشعب، لكن عدة محاولات جرت لاحقاً للانقضاض على مكتسبات الثورة تم إفشالها في مهدها، قبل أن تنجح مؤخراً تلك المجموعات في تمهيد الطريق لانقلاب 25 مايو 1969م، والذي قضى على آمال الشعب السوداني بتثبيت أركان نظام الحكم الديمقراطي، حيث جاءت بالحكم العسكري المايوي بديلاً لديمقراطية أكتوبر.
في الأسطر التالية يقدم الكاتب الصحافي المهتم بالتوثيق لتلك الحقبة الأستاذ محمد علي خوجلي، لـ (الجريدة) بعض الإضاءات حول أبرز الأحداث التي صنعها من انقلبوا على أكتوبر.

حاوره: عبدالهادي الحاج

لماذا لم تتمكن القوى التي أطاحت بنظام عبود، من الحفاظ على شعارات اكتوبر؟

الشعار الرئيس الذي رفعه معارضي الحكم العسكري كان هو (عودة الجيش إلى ثكناته)، وكل المذكرات التي صدرت عن تنظيمات الطلاب والعمال والمزارعين تبنت هذا الشعار، لكن القوميين العرب، سعوا لخرق هذا الشعار، من خلال قيادة انقلاب مضاد يُمكّن تنظيم الضباط الأحرار المحسوب عليهم من استلام السلطة، وحتى جعفر نميري ومجموعته حينما دعموا الحركة الجماهيرية المطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته، وقبل أن يصل الأمر إلى نهايته وجدوا أنفسهم يمثلون المجموعة المسيطرة داخل الجيش عبر الإجراءات التي اتخذوها ومنها اعتقال كبار الضباط في المجلس العسكري التابع لنظام عبود، وأرادوا حينها الإنقلاب على شعار عودة الجيش إلى ثكناته، وهذا ما عارضه الضباط الشيوعيين، ولم يتفقوا معهم في ذلك ما دفع النميري لاعتبار موقف الشيوعيين بمثابة خيانة لهم، لذلك نجد أن المجموعة التي نفذت لاحقاً انقلاب مايو 1969م، كانت هي ذات المجموعة التي أرادت الانقلاب على شعار ثورة أكتوبر المتمثل في عودة الجيش إلى ثكناته.

لكن تلك القوى اشارت إلى دعمها للديمقراطية وعودة السلطة للشعب؟

لا يمكن بأي حال وصف تلك القوى بانها ديمقراطية، وحينما تسلموا مقاليد السلطة لاحقاً في مايو 1969م، انتقدوا الديمقراطية، وما يؤكد ذلك الإجراءات التي اتخذوها مثل حل الأحزاب بموجب الأمرين الجمهوريين (1) و(2)، و اللذان قضيا بحظر النشاط السياسي.

ماذا كان دور القوى الديمقراطية وسط اليسار؟

كانت هنالك مجموعة من اليسار تعمل على دعم سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية، وهذا يتضح من خلال حديث سكرتير الحزب الشيوعي الشهيد عبدالخالق محجوب، والذي ذكر فيه أن الإضراب السياسي رغم أنه عمل إيجابي تحقق له النجاح إلا أنه انطوى على جوانب سلبية تمثلت في عدم وجود قوى تعمل على حمايته، ومثلما فكّر القوميين العرب في الإنقلاب على أكتوبر، فإن الشيوعيين كانوا يفكرون بصورة أخرى وشكل آخر يرى عدم وجود قوة عسكرية لحماية مكتسبات ثورة اكتوبر وعدم وجود جبهة وطنية ديمقراطية على اعتبار أن جبهة الهيئات متعددة وتضم مجموعات من اليمين، ومع ذلك نجد ان الشيوعيين قد توقفوا عند هذا الحد، وبالضرورة عارضوا انقلاب القوميين العرب وتحديداً الناصريين، وكانوا على قناعة بأن جمال عبد الناصر، ما كان له أن يسمح بوجود نظام ديمقراطي في السودان، لذلك لاحقاً اشرف بشكل مباشر على انقلاب مايو 1969م وهو المحاولة الناجحة بعد المحاولة التي تم إجهاضها في نوفمبر 1964م.

هل ثمة قاسم مشترك دفع تلك القوى لاتخاذ هذه المواقف؟

القاسم المشترك بين تلك المجموعات هو عدم قناعتها بالديمقراطية الليبرالية الغربية التي جاءت بها ثورة أكتوبر، والذين دعموا هذا الإتجاه كانوا يشيرون إلى أن الأحزاب التي سلمت السلطة للجنرال عبود، هي التي فازت في أول انتخابات بعد ثورة أكتوبر، ونلاحظ أن أول حكومة تم تشكيلها بعد نجاح الثورة قد سيطرت عليها جبهة الهيئات واليسار والهدف منها كان إبعاد الأحزاب التقليدية عن السلطة، لكن الأخيرة اصطفت من أجل هدفان أساسيان وهما اضعاف حكومة جبهة الهيئات واليسار ومن ثم الضغط لتكون الفترة الإنتقالية قصيرة جداً لإجراء الإنتخابات، وهذا ما كشفت عنه لاحقاً وثائق بريطانية، لانه بإجراء الإنتخابات سوف تعود القوى التقليدية للسلطة، وهو ما حدث بالفعل وأدى لعودة الممارسات السابقة من قبل تلك القوى ونتج عنها في خاتمة المطاف حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من البرلمان.

ماهو الدرس المُستفاد من تلك الأحداث؟

الدرس الرئيس المُستفاد من تلك الممارسات، هو أنه ليس بالضرورة الأخذ بالديمقراطية الليبرالية بشكلها الغربي، ومع ذلك فإن أي شكل آخر لنظام الحكم لايُجدي نفعاً، لأن من عارضوا نظام عبود ووقفوا ضده وخرجوا في 21 أكتوبر، لم يفعلوا ذلك بسبب الأوضاع الإقتصادية السيئة، بل لسببين هما غياب الديمقراطية، والميل نحو الأجنبي، وكانوا يرون حينها أن السودان كأنما صار ولاية امريكية بسبب التدخل الأمريكي في شؤون البلاد، وكذلك تدخل الدولة المصرية، لذا يمكن القول أن جماهير 21 أكتوبر خرجت إلى الشارع من أجل استعادة الديمقراطية والسيادة الوطنية، وهذا ما يفسر الهجوم الذي تعرضت له السفارتين الأمريكية والمصرية خلال أيام الثورة.

من أرشيف صحيفة الجريدة السودانية- نُشر في أكتوبر  2018

السبت، 12 مارس 2022

«بورتسودان أكواريوم» .. قصة أول متحف بحري في السودان


بورتسودان – عبدالهادي الحاج
يُعتبر (بورتسودان أكواريوم) هو المتحف البحري الأول من نوعه في السودان والذي تمّ إفتتاحه خلال فعاليات مهرجان البحر الأحمر للسياحة والتسوق السابع، وتشرف عليه كلية علوم البحار والمصائد بجامعة البحر الأحمر، وقد تم إنشاء بورتسودان أكواريوم بشراكة بين حكومة الولاية وجامعة البحر الأحمر.

تاريخ الفكرة

على الرغم من أن فكرة قيام متحف بحري في السودان ليست جديدة إلا أن عدة عقبات حالت دون أن يرى المشروع النور خلال الفترة السابقة حيث أنشئ مبنى المتحف فى سبعينيات القرن الماضى فى عهد محافظ البحر الأحمر آنذاك عبدالرحمن سليمان وجاءت فكرة إنشاء متحف بحري فى ذلك الوقت بتشجيع من جامعة كامبريدج، وظل المبنى موجوداً طيلة هذه الفترة دون أن يشهد أى تطوير.

تنفيذ المشروع

بعد إنشاء كلية علوم البحار والمصائد بجامعة البحر الأحمر كان ضمن أهدافها الأساسية قيام متحف خاص بالأحياء البحرية، ليتم تأهيل المبنى ومن ثم الشروع بصورة جادة في قيام المتحف حيث بدأت عدة إتصالات بين كلية علوم البحار وحكومة ولاية البحر الأحمر أسفرت عن تكوين لجنة لبحث متطلبات العمل وتم استجلاب خبير من جنوب أفريقيا بواسطة منظمة حوض البحر الأحمر وخليج عدن (بيرسكا) وتم وضع التقديرات الأولية للمتحف، لكن لإرتفاع تلك التقديرات وضعت الجامعة تقديرات أقل وافقت عليها حكومة الولاية وعلى الفور تم الشروع في تنفيذه إلى أن أصبح اليوم حقيقة.

محتويات المتحف

يضم المتحف أحواضاً للأسماك البحرية تحتوي على عدة أنواع من أسماك الزينة بالإضافة إلى أحياء بحرية أخرى تشمل الفقاريات واللافقاريات كما يشمل عدة نماذج من الجيولوجيا البحرية ومن المتوقع أن تُضاف إليه في المستقبل القريب نماذج لأدوات الصيد القديمة. كذلك يحتوي المتحف على أكثر من 300 نوعاً من الأسماك والكائنات البحرية مع وجود خطة لإضافة حوالي 5000 نوع مستقبلاً، وقد بلغت التكلفة الكلية لإنشاء المتحف في مرحلتها الأولى حوالي 500 الف جنيهاً.

أبواب مُشرعة

يفتح المتحف أبوابه لاستقبال الجمهور من مختلف الفئات، كما يستقبل البعثات والوفود الرسمية وذلك مقابل أسعار رمزية يرجع عائدها لتطوير معداته، إضافة لتغطية نفقات الأسماك والحياء البحرية من طعام وغيرها، وذلك بإشراف مباشر من جامعة البحر الأحمر ممثلة في كلية علوم البحار والمصائد.


«الكجر والثوار» .. تدريب جديد لأفراد الشرطة السودانية يحاكي اشتباكات شوارع الخرطوم



الخرطوم – عبدالهادي الحاج

مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات الرافضة للانقلاب العسكري في السودان، بدأت قوات الشرطة تدريبات خاصة لمنسوبيها تعتمد على تكتيكات تحاكي الاشتباكات وعمليات الكر والفر التي تتم بين الثوار والقوات التي تعمل على فض الاحتجاجات.

وبحسب مصدر شرطي تحدث لـ (مصابيح)، فإن التدريبات التي انطلقت منذ أسابيع بمعسكر شرطة الاحتياطي المركزي جنوبي العاصمة الخرطوم، تعتمد على تكتيكات تقسيم المتدربين إلى مجموعتين، أحدهما تلعب دور الشرطة والأخرى تلعب دور المتظاهرين.

وذكر المصدر الذي فضّل حجب اسمه أن التدريبات تعمد على استخدام الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والهراوات التي تستخدم في فض الاحتجاجات.

فيما أكد حدوث العديد من حالات الاختناق بين المتدربين نتيجة لاستخدام الغاز المسيل للدموع، الأمر الذي دفع الشرطة لتوفير سيارات إسعاف لنقل المصابين إلى المستشفى.

ونوه إلى أن التدريبات الزامية لكل أفراد الشرطة الذين يشاركون في عمليات قمع الاحتجاجات، وأن بعضهم قد أطلق عليها إسم (الكجر والثوار).

واستمرت الاحتجاجات في السودان بصورة شبه يومية منذ الانقلاب العسكري الذي نفذه قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.

ويطالب المحتجون بالحكم المدني الكامل خلال الفترة الانتقالية في السودان وإبعاد العسكريين من المشهد السياسي.

الجمعة، 11 مارس 2022

الشريفة مريم الميرغنية .. منارة شرق السودان السامقة

سنكات – عبدالهادي الحاج

عند مدخل مدينة سنكات التي ترقد هانئة بين أحضان تلال البحر الأحمر، تقف تلك (القُبة) الشامخة لتستقبل زوارها وتحكي لهم تاريخ واحدة من أهمّ شخصيات شرق السودان التي لعبت دوراً إجتماعياً بارزاً، وصارت علماً مميزاً من أعلام السادة المراغنة، وهي الشريفة مريم الميرغنية، التي أصبح ضريحها معلماً وساحة للقاء كبير يضم آلاف الحاضرين من مختلف بقاع السودان، في اليوم الأول لشهر رجب من كل عام والذي يُصادف الذكرى السنوية لحوليّة الشريفة مريم الميرغنية.

أم البركات 


الشريفة مريم الميرغنية أو (ستي مريم) أو (أم البركات) كما يسمونها هي ابنة السيد محمد هاشم بن السيد محمد عثمان الميرغني الختم مؤسس الطريقة الختمية، ووالدتها هي فاطمة أحمد عاولي، قرأت القرآن وعلوم الفقه في زاوية جدها السيد محمد عثمان الميرغني الختم، التي أنشأها خصيصاً لتعليم النساء أمور دينهن، و اقترنت بابن عمها السيد محمد عثمان تاج السر الميرغني الذي ولد في العام 1266 هـ ودفن بجوار مسجده الذي بناه في مدينة سواكن، ومنذ وفاة زوجها نهضت بأعباء الدعوة إلى الله وإرشاد المُريدين في مناطق البحر الأحمر، وكانت مهمومة إلى حد كبير بتعليم النساء.

الأعمال الخيرية 


قامت الشريفة مريم خلال حياتها بالعديد من الأعمال الخيرية التي يذكرها لها الناس وكانت مثالاً في الورع والتقوى والزهد إلى أن توفيت في الأول من شهر رجب للعام الهجري 1371 الموافق للعام 1952م وكانت وفاتها في مدينة بورتسودان بعد مُعاناة مع المرض إلا أنّ مريدوها وأهلها نقلوا جسمانها إلى سنكات ليتم دفنها هناك على حسب وصيتها، ومنذ ذلك التاريخ ظلت حوليّة الشريفة مريم الميرغنية حدثاً لايمكن لمدينة سنكات أن تتجاوزه، على الرغم من أن حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير، قد منعت في سنواتها الأولى قيام الحوليّة وحدّت من جميع مظاهر الاحتفال المتعلقة بها، إلا أنها عادت وسمحت بها بل وشارك في ذلك العام المشهود نائبه – حينها - على عثمان محمد طه، وبحضور السيد محمد عثمان الميرغني، عقب عودته للسودان بعد طول غياب.

مؤتمر سنوي 


يقول الخليفة صلاح عبادي وهو أحد خلفاء الطريقة الختمية بشرق السودان، إن حوليّة الشريفة مريم الميرغنية تعتبر ذكرى طيبة ومؤتمر سنوي راتب يجمع شمل جميع أحباب ومريدي الطريقة الختمية، كما تُمثل فرصة طيبة للقاء يجمع عدد كبير من الخلفاء بالسادة المراغنة.
ويضيف: "حتى خلال الفترة التي منعت فيها الحكومة قيام الحوليّة كان الناس يحيونها في المساجد وفي مناطق مختلفة في ذات التاريخ، وذلك إنما يدل على حب الناس لذكر مآثر الشريفة مريم والدعوة لها بالرحمة والمغفرة".

ويتابع "عبادي": "في الماضي كانت مظاهر الاحتفال بالحوليّة تبدأ منذ وقت مُبكر حيث تستعد النسوة بإعداد الكسرة خلال الأيام التي تلي المولد وفي ليلة الأول من شهر رجب تكتمل مظاهر الإحتفال".

 إمرأة غير عادية


تبدأ مظاهر الاحتفال بالحوليّة بعد ظهر اليوم الأول من شهر رجب وحتى منتصف الليل، حيث يقوم الحاضرين بتلاوة القرآن، والمدح والدعوات بالترحّم على روح الشريفة مريم، كما يشتمل على لقاء كبير يضم السادة المراغنة بخلفاء الطريقة الختمية للتشاور والتفاكر وتقديم النصح والإرشاد.

وخلال أيام الإحتفال تشهد مدينة سنكات أكتظاظاً بالسكان حيث يأتي المحتفلون من ولايات الشمالية وكسلا والقضارف بالإضافة إلى الوفود الضخمة التي تأتي من مختلف مناطق ولاية البحر الأحمر.

يقول الباحث في التراث البجاوى جعفر بامكار، إن الشريفة مريم الميرغنية لم تكن امرأة عادية فقد كانت زعيمة للختمية وكانت شخصية سياسية وامرأة فاضلة لها دور اجتماعي فاعل في شرق السودان، وفي إحدى المراحل تولّت الإشراف على الطريقة الختمة بأتباعها المنتشرين في العديد من البلدان.
ويضيف بامكار: "كانت للشريفة مريم علاقة بالحكومة البريطانية التي كانت تستعين بها لحل بعض الإشكاليات الاجتماعية التي تواجهها، كما كانت لها علاقة بالحكومة المصرية التي أشرفت بصورة مباشرة على علاجها في أيامها الأخيرة".

ويواصل: "إن الذكرى السنوية لوفاة الشريفة مريم صارت حدثاً له مدلوله الإجتماعي عبر استغلاله كسانحة للقاء بين مختلف أتباع الطريقة الختمية وأيضاً إحياء الطقوس المرتبطه بالطريقة، كما أصبح يشبه إلى حد ما مهرجانات الاحتفاء بالشخصيات العُظمى التي يُحيها الأوروبيين".


الأربعاء، 9 مارس 2022

19 ديسمبر .. طلاب المدارس الثانوية يطلقون شرارة الثورة السودانية في بورتسودان



بورتسودان – عبدالهادي الحاج


صبيحة التاسع عشر من ديسمبر 2018، أدرك طلاب مدرسة التدريب المهني ببورتسودان، استحالة تقبل الارتفاع الكبير في سعر قطعة الخبز الواحدة التي بلغت ذلك اليوم 3 جنيهات، فقرروا الإحتجاج والتظاهر.

من سوق (هدل) القريب من المدرسة انطلقت الشرارة بالتزامن مع موعد تناول وجبة الإفطار، والتي سرعان ما انتقلت إلى مدرسة عبدالله احمد ناجي الثانوية بـ (سلالاب)، حيث خرج طلابها وتعالى هتافهم في شارع المدارس شاقاً مربعات الحي ودافعاً طلاب المدارس الأخرى للخروج والالتحام بموكبهم.

لم تكن براكين الثورة تحتاج لوقت طويل حتى تصل لمدارس القطاع الجنوبي باحياء كوريا وديم سواكن، ثم تنجح في إلغاء برنامج الزيارة التي رتب لها الرئيس المخلوع لبورتسودان في ذلك اليوم، وتدفعه مُجبراً للعودة إلى الخرطوم، بعد ان اكتفى بحضور فعالية خاطفة للجيش بمنطقة عروس العسكرية شمالي المدينة.

بعد مرور عام من ذلك اليوم الذي عبرت بعده البلاد لمرحلة جديدة في تاريخها، يستعيد الطلاب وأساتذتهم في بهو مدرسة التدريب المهني بحي الثورة، تلك اللحظات التي قرروا فيها مغالبة حالة الصمت على سوء الحال، وحكي بعضهم لـ (الحداثة)، عن حالة الغضب الجماعية التي اعترتهم عندما علموا انه لم يعد بمقدورهم تناول وجبة الإفطار بسبب الزيادة العالية في سعر الخبز، لكنهم كما ذكروا لم يدر بخلدهم أنهم كانوا يدونون فصلاً جديداً في كتاب ثورة ديسمبر، ويساهمون في إيقاد شعلتها التي كبرت فاصبحت لهيباً تمدّد في كل انحاء السودان.

وفي الجانب الآخر يحكي مدير مدرسة عبدالله احمد ناجي الثانوية عبد الرحيم فرح، عن عزم طلابه على إنهاء حقبة كالحة من تاريخ بلادهم، ويقول: "خرجوا غاضبين من المدرسة أغلقوا الطريق ووضعوا عليه الحجارة، كانوا يدركون أن الأوضاع الإقتصادية قد بلغت مبلغاً من سوء الحال".

يعود فرح ويتذكر: "بعد طابور الصباح علمت من الشخص المسؤول عن كافتيريا المدرسة، أن الخبز المتوفر لديهم لا يتجاوز 80 قطعة، وهي بالطبع لا تكفي حاجة مدرسة يدرس بها 500 طالب، وعندما اتصلت بإدارة التعليم و أبلغتهم بهذا الوضع السئ، وعدوني بحل الأمر لكن لم يفوا بوعدهم".

عند حلول موعد الإفطار خرج الطلاب من الفصول إلى الشارع، ولم يكن بإمكان المدير منعهم، أو إجبارهم على البقاء في المدرسة التي باتت خالية من قطعة خبز واحدة، ويضيف: لـ (الحداثة)، "توجهوا صوب المخابز القريبة من المدرسة، ثم واصلوا سيرهم حتى سوق (المنقبة)، وفي تلك اللحظات كان طلاب مدارس الأساس الشرقية والغربية قد التحقوا بهم، و تجمهروا في موكب ضخم وصل حتى (السوق الشعبي) لتبدأ بعد ذلك القوات الأمنية في الإنتشار واعتقال عدد منهم".

وفي الذكرى الأولى لثورة ديسمبر التي تتزامن مع ذلك اليوم، بدأ فرح مزهواً بطلابه، وقال "خروج طلاب مدرسة عبدالله ناجي، يوم 19 ديسمبر، يمثل قلادة شرف بالنسبة لنا".

يقول الصحفي والناشط السياسي أمين سنادة، أبرز ما نتج عن الإحتجاجات التي شهدتها بورتسودان في التاسع عشر من ديسمبر، هو إلغاء زيارة الرئيس المخلوع للمدينة في ذلك اليوم، واكتفاءه بمخاطبة قوات عسكرية في قاعدة عروس شمال بورتسودان.

ويضيف: لـ (الحداثة)، "كذلك شهدت بورتسودان في ذلك اليوم اعتقال أكثر من 52 شخصاً، وهو عدد كبير لم تشهده المدينة من قبل".

يشير سنادة إلى أن الإحتجاجات التي عمت بورتسودان في ذلك اليوم، جاءت كنتاج لتراكم حراك ثوري متصاعد شهدته منذ بداية العام تمثل في إضراب عمال الشحن والتفريغ بالميناء مطلع شهر مايو وتظاهرات المياه خلال يونيو.

ويتابع: "لاحقاً شهدت بورتسودان اضخم موكب في تاريخ المدينة في الثالث من يناير، وكذلك موكب 24 يناير الذي حدثت فيه اشتباكات بين منسوبي القوات المسلحة وجهاز الأمن".

ويعتقد سنادة إن أكثر من كان يميز حراك بورتسودان هو المشاركة الكبيرة للنساء، والتي استمرت حتى ما بعد سقوط البشير، ويضيف: "في السابق كانت مشاركة النساء تقتصر على الطالبات فقط، لكننا شهدنا مشاركة قوية من كل الفئات النسائية".

من أرشيف صحيفة الحداثة السودانية

طائرة إماراتية ضمن طاقم الطيران الرئاسي السوداني!!


عبدالهادي الحاج

لم تبلُغ الدولة السودانية مبلغاً من الإنحطاط والهوان؛ مثلما هي عليه الآن تحت حُكم زعيم الجنجويد نِصفُ الاُميّ وربيبه قائد "جيش الهنا". هذا الثنائي الانقلابي لايهمه أن تُمرّق سيادة البلاد وتُسلب كرامتها بصورة لم تشهدها حتى في أكثر عُهودِها تيهاً.
فبعد أن جعلت منهما مجرد "مرتزقة" وخُداما لمصالحها، هاهي دولة الإمارات "كفيل الانقلابيين" توفّر لهما "طائرة رئاسية" مُسجلة ضمن أسطول طيران"الإتحاد" الإماراتي، وتحمل الرمز الدولي لدولة الإمارات، لتقضي حاجة أسفار عملائها الخُلص الذين اختطفوا "سيادتنا" بفوهة البندقية.
ليت تلك الطائرة كانت بلا شعار أو ليس عليها ما يرمزُ لبلادنا؛ ليدعيا بأنها مستأجرة أو أو مهداة أو غير ذلك مما يُبرّر لخيبتهما، لكن للأسف رُسم على الطائرة علمنا وكُتب على جانبيها باللغتين العربية والإنجليزية "جمهورية السودان".
ربما كان الأمر أهون لو أن تلك المهزلة انتهت عند هذا الحد؛ بل ما هو أنكأ من ذلك أنها تتخذُ من مطار أبوظبي مستقراً لها، وبالضرورة ذلك يعني أنّ استخدامها لايتم إلا وفق ماتقتضيه حاجة "الكفيل".
هذه الطائرة الرئاسية هي التي أقلت زعيم الجنجويد خلال رحلته "المشؤومة" إلى روسيا، ثم أعادته للسودان، بعد انتظار دام 6 أيام قبل أن تغادر لمَرْبِضها بالعاصمة الإماراتية.
اُفتضِح أمر هذه الطائرة؛ في سبتمبر من العام الماضي، حينما تداول رواد وسائط التواصل الإجتماعي صور لها في مطار أبوظبي، ومنهم من ذكر أنها هدية من دولة الإمارات للحكومة السودانية.
لكن إدارة الطيران الرئاسي نفت - حينها - أن يكون لديها طائرة من ذلك الطراز، فيما ذهب البعض إلى أنّ صورة الطائرة قد تم التلاعب عليها بواسطة تقنية تعديل الصور "فوتوشوب".
بيد أن رحلات ومعلومات الطائرة لة التي تحمل الرمز (A6 - EIP) وهي من طراز الأيربص 320، مبزولة على شبكة الإنترنت، ويمكن الحصول عليها بكل بساطة من موقع تتبع حركة الطيران.
مهما يكن من أمر؛ فإن تسجيل الطائرة، يؤكد أنها مازالت مملوكة للحكومة الإماراتية، وبقائها في مطار أبوظبي يعني أنها لم تُقدم كهدية للسودان، بل هي طائرة "إماراتية" تستخدم لمهام خاصة تحت غطاء الطيران الرئاسي السوداني.



الثلاثاء، 8 مارس 2022

لماذا يرهبوننا؟


الخرطوم – عبد الهادي الحاج

بعد مرور نحو عام على تشكيل الحكومة الانتقالية في السودان، ما زال الصحفيون يتعرضون للانتهاكات والتضييق الذي يهدف لمنعهم من القيام بواجبهم المهني، وذلك عبر الإعتقال المباشر والتهديد بتدوين بلاغات جنائية في مواجهتهم. وتأتي هذه الممارسات بالتزامن مع إعلان الجيش تعيين مفوض باسم قائده العام لتدوين بلاغات ضد ناشطين وإعلاميين وفقا للقانون الجنائي وقانون الصحافة والمطبوعات وقانون جرائم المعلوماتية، الذي تم تعديله مؤخراً ليتضمّن عقوبات مشددة.


واحتجزت قوة تتبع للدعم السريع (الأحد) الماضي، الصحفي بقناة (الحرة) علي الدالي، ومصور القناة، وذلك خلال تغطيتهم لإنحسار منسوب النيل الأبيض، بمنطقة الشجرة بالخرطوم، قبل أن تفرج عنهم لاحقاً.


وبحسب بيان للجنة التمهيدية لإستعادة نقابة الصحفيين السودانيين، فإن القوة التي تتبع للدعم السريع احتجزت الدالي وكادر التصوير لمدة 5 ساعات، كما صادرت هواتفهم النقالة وبطاقاتهم الصحفية، فيما عبّرت اللجنة عن رفضها لما وصفته بأسلوب "البلطجة وتكيميم الأفواه" ومنع الصحافيين من أداء مهامهم في ظل حكومة الثورة.


ودعت اللجنة في بيانها وزارة الإعلام ومجلس الوزراء للاضطلاع بدورهما في حماية الصحافيين.


وبعد مرور يوم واحد على احتجاز الصحفي بقناة (الحرة) على الدالي، تعرض الصحفي عادل إبراهيم (كلر)، لتهديد من ضباط بالجيش يحمل رتبة لواء، وذلك خلال نقاش في حلقة تلفزيونية من برنامج (دائرة الحدث)، الذي تبثه قناة سودانية 24، حيث دعا ضابط الجيش لتدوين بلاغ ضد الصحفي (كلر) بسبب ما أسماه تناول أسرار عسكرية.


من جانبها أدانت شبكة الصحفيين السودانيين، ما قالت إنها محاولة لإرهاب الصحفيين والإعلاميين واسكاتهم ومحاصرتهم عن أداء دورهم في تنوير الرأي العام، ونددت في بيان لها بما تعرض له (كلر)، وأضافت: " إن هذا التهديد لا يخرج عن فكرة استهداف الصحفيين، ويحتمي ببيان الجيش الذي أكد فيه على فتح بلاغات ضد صحفيين وناشطين عبر قانون المعلوماتية المعيب، وما نشهده من تصعيد انما هو مقدمة لهجمة على الحريات التي انتزعها الشعب بثورته".


وبحسب بيان الشبكة كان (كلر) قد شارك في التاسعة من مساء (الأحد)، في إحدى حلقات البرنامج التي حملت عنوان: "الجيش بين حد الإساءة وحق النقد"، وتطرق أثناء مداخلته للقصف الذي تعرضت له البلاد خلال العهد البائد وشمل مصنعي الشفاء واليرموك وحادثة بورتسودان الشهيرة، وانفجار شحنة سلاح الأسلحة، ومقال العميد المتقاعد عبد العزيز خالد، عن ضوابط نقل الأسلحة والمتفجرات، وغيرها من أحداث ووقائع معروفة، الأمر الذي أثار غضب اللواء المذكور ودفعه إلى التهديد والإرهاب.


وتأتي هذه التطورات بعد أيام من بيان للجيش أعلن فيه تعيين ضابط مفوض عن قائده العام في مايو الماضي، متخصص في جرائم المعلوماتية لتدوين البلاغات ومتابعة الشكاوى ضمن فريق بإشراف المدعي العام العسكري وعضوية ضباط قانونيين من القضاء العسكري تتمثل مهامهم في رصد كافة الإساءات التي تمس القوات المسلحة بكل مكوناتها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.


وأشار بيان الجيش لرصد اللجنة المختصة لما وصفها بمخالفات وإساءات للقوات المسلحة باشرت عقبها تدوين بلاغات مع النيابات المختصة وفقا للقانون الجنائي في الجرائم الموجهة ضد الدولة وقانون الصحافة والمطبوعات وجرائم المعلوماتية الذي اجيزت تعديلاته مؤخراً.


من أرشيف صحيفة الحداثة السودانية

الأحد، 2 يونيو 2013

ألف زهرة على قارعة الطريق

عبد الهادي الحاج

المدينة المترهلة تنغمس رويداً رويداً في عتمة الليل.. وفي الحي العريق ثمة منزل كبير له باب خشبي يتسلل منه ضوء أحد المصابيح الكهربائية.
الهدوء يخيم على جميع طرقات الحي.. فى ركن قصي داخل إحدى غرف ذلك المنزل تجلس زهرة.. أطرافها ترتعش خوفاً من المكروه الذي ينتظرها.
حاولت أن تقاوم ذلك الخوف لكن قلبها الصغير لم يحتمل قسوة التصاوير التي تدور بمخيلتها.. واخيراً قررت الهروب إلى المجهول.
زهرة لم تكن تخاف شيئاً في تلك اللحظة أكثر من رؤية وجه أمها، أوما يفترض أن تكون أمها.. تسللت بين خيوط الضوء الصادرة من المصباح الكهربائي إلى رحابة الظلام الذي بدأ يلف الطرقات.
كانت زهرة تعتقد أن عتمة الليل ستكون أرحم من عتمة قلب الأم لذا لم تبالي بما يمكن أن ينتظرها في الظلام الدامس الذي دلفت إليه بعد أن تأبطت كيساً صغيراً جمعت فيه بعض ما يمكن أن يسد الرمق.
زهرة واحدة من ضحايا مشروع إعادة صياغة إنسان المدينة المترهلة.. خرجت للوجود وهي تحمل إثماً ليس لها فيه نصيب.. صرختها الأولى كانت صافرة إنذار ببلوغ الكارثة طورها الأخير.
بدأت حياتها وهي جزء من نفايات المدينة، ثم إلتقط بعض السيارة عارها وحملوه لحراس الأخلاق.
وفي حقبة ميلادها تفتقت آلآف الأزهار على الطرقات المظلمة، وحراس الأخلاق ماعاد بوسعهم ستر عورة مشروعهم.
اجتمع أصحاب الأيادي المتوضئة وقرروا التخلص من آثام مشروعهم البغيض بإفراغ المدينة من الزهور.. حيث تمكنوا من أسر عقول سكانها ببريق الدنانير.
حمل السكان آثام المشروع البغيض إلى بيوتهم .. فرحوا بمقدم الزهرات بصحبة الدنانير وهم يتدثرون زوراً برداء الإنسانية.
تنفس أصحاب الأيادي المتوضئة الصعداء بعد أن ظنوا أنهم تخلصوا من عار المدينة، لكن حينما خبأ بريق الدنانير ماعد بوسع السكان تحمل فاتورة المشروع البغيض.
منهم من رمى زهرته على قارعة المجهول.. ومنهم من لعن اليوم الذي ادعى فيه الإنسانية، وزهرة كانت من أولئك اللواتي كُتب عليهن الشقاء مرتين.
الأولى على يد أمها التي جعلتها جزء من نفايات المدينة، والثانية على يد تلك التي حملت اللقب مجازاً.
حدثها قلبها المكلوم بالعودة إلى الدروب المجهولة حيث صرختها الأولى.
أغلقت خلفها الباب الخشبي بإحكام وتركت خطاها الحائرة تبحث عن مرقد لأحلامها وسط الأزقة المظلمة.
قادتها رحلة التيه صوب كومة من القش لتستر داخلها ما تبقت لها من آدمية حيث فارهات أصحاب الأيادي المتوضئة تنثر عليها غبار الطرقات، ومصابيحها تكشف بؤس صنيعهم.
زهرة تجد نفسها مرة أخرى بين أيدي السيارة وترفض أن تقبر أحلامها خلف الباب الخشبي.. رفضت بذكائها الفطري أن تكشف سرها للسيارة، لكن حينما قرروا أخذها لحراس الأخلاق رفضت أن تكرر السيناريو بذات التفاصيل المملة.
إنتهت مقاومتها على وسادة دافئة عوضتها بعض مما سلبه منها رهق سنواتها الغضة.. تذوقت على تلك الوسادة الإحساس الحقيقي بإنسانيتها، لكن يا للأسف ذلك الإحساس لم يدم أكثر من ستون دقيقة.
إنتهت الأحلام السعيدة بما ظنته كابوساً مفزعاً تجسد لها في شخص الأم المجازية.
طوت زهرة ماتبقى من أحلامها الصغيرة وهي تودع الوسادة الدافئة مثلما طوت الأم المجازية أحلامها الكبيرة حينما ودعت بريق الدنانير.
الأم تحكم قبضتها حول اليد الصغيرة وتقودها نحو المنزل الكبير/ ثم تغلق الباب الخشبي خلفها بإحكام وتطفئ المصباح الكهربائي تاركة المنزل غارقاً في ظلامه الدامس وسكون الليل الذي يحمل قهقهة أصحاب الأيادي المتوضئة من مكان بعيد.

الأحد، 20 يناير 2013

نقوش على ذاكرة خربة: عامان على رحيل ماي


عبدالهادى الحاج

في الخامسة والنصف مساءً كانت العَربة قد وصلت محطتها الأخيرة..
درجة الحَرارة في المدينة تتجاوزُ الصفر ببضعة درجات.. الأعيُن المُبعثرة في المكان جَميعُها تَبحثُ عن قادم طال إنتظاره.. لم يَبذلُ (ماي) جهداً كبيراً ليَقتنصُنيي من بين مئات البشر الذين ضٌاق بهم المكان.
الدماء تتجمدُ في العروق من شدّة البرد، ودفء حُضور ماي يفتحُ لها الف شريانً لتَنَسابُ شوقاً وتحناناً.
كان كل شئ في المدينة يبدو جديداً في أول عهدي بها.. شوارعها .. بناياتها .. أرصفتها .. حاناتها .. إلا وجهُ ماي .. فقد كان هو الشئ الوحيد المألوف.
ماي اُسطورةً تربّعت على الوجدَان.. ونهراً يرفدنا بالرغبة في الحياة.. ماي قصةُ وطنٌ أصابته (عينُ الحَسَد).. لم ألتقيه من قبلٌ لكنني أعرفه جيداً.. أعرفه حينما حاربنا المُستعمر معاً في أرض النوير وغابات شيكان وسهول التيب وتاماي.. وأنقطعَتَ سيرتُه عندما ترك قريته الصغيرة هرباً من الحرائق والقتل وأصواتُ المدافع وأزيز طائراتُ الموت.. هرَبَ بعيداً عن رائحة الحرب وصَنَع رُكناً قصياً في فؤاده أسماه (الوطنٌ).. خَبأ فيه كل ماهو جميلُ عن أرض الأجداد.. فكان ذلك الرُكن بمساحة مليون ميل مُربع.. تعانقنا كأننا لم نتذوق طعمُ العناق من قبل.. سرنا فى أرصفة المدينة سوياً نقتسمُ روعة الحضور الذي لَم تُفسده سوى لغةُ المُستعمر.. فقد عَلَت أصواتُ الرصٌاص قبل أن تَهبَط رايةُ المُستعمر الذى خَرَج وترك لغته غريبةُ على الألسُن.. ماي يُعلمني كلّ صَباح كيف أعشق تفاصيل المديٌنة.. وكيف أردد أنشودّة طالما توارَتَ في القلوب خوفاً من طائرات الموت.. (أنت سوداني وسوداني أنا.. ضَمّنا الوادي فمن يُفصلُنا).. ففي تلك المديٌنة البعيدة عن قرية ماي خَرجت الأنشودة من مخبئها.. ورقصت سُكرى على سمفونية الوطن اللأمُتناهي.. ماي كان يسألني عن عزّة وعن الخَليل وعن دقنة وعلي دينٌار والسُلطان يامبيو وعن ترهاقا وبادي أبو شلوخ والماظ وعلي عبداللطيف.
ماي صار تحَية الصَباح ووداع آخر الليل وزَخَات المَطر عند منتصٌف النهار .. ماي صار رحيقُ الأمكنة ودفء الأزمنة .. المدينة صارت عندي كلها ماي.. فكان عصيّاً علي أن أمنحُها تحيةُ الوداع.. عصيّاً علي أن أجمع شتات الدّمع الذي تبعثَر في الطُرقات.. عصيّاً علي أن أفارق ماي.
همستُ في أذنه (أخشى أن أعود ولا أراك هنا مرة أخرى).. صمت طويلاً ولم يرَد.. عيناه أكملتا ملامح تلك اللوحة التراجيدية.. رحلتُ بعيداً عن ماي .. رحلتُ إلى (الوطن المجازى).. ذهبتُ أبحث عن قرية ماي لأخبرها عنه وعن وطن آخر شيدناه سوياً فلم أجَد القرية ولم أجد طائرات الموٌت.. ولم أجد سوى (ثوراً أسود) مذبوحاً على قارعة الطرٌيق.. يا إلهي ما الذي حدث؟؟ من الذى سَرَق القرية؟؟.. ياله من وطن (منحُوس).. وطن سرق أرضه اللصوص وقايضوه بثور أسود.
هرولتُ مُسرعاً نحو المدينة البَعيدة أبحثُ عن ماي.. أبحثُ عن حُلم تسرّب كما الماء بين تَشَقُقات الأرض.. أين أنت يا ماي.. يا للأسف ليس هناك من مُجيب.. كُل شئ في المدينة كما هو إلا وجه ماي.. بربك قل لي أين تختبئ ؟؟ أخرج لنعيد القرية المسٌروقة !! .. لم أترك شارعاً إلا وبحثتُ فيه عن ماي.. لم أترك حَجَراً إلا وسألتُه عن ماي.. في ذلك المقعد كان يجلسُ ماي.. من ذلك الدرب كان يأتي ماي.. من تلك النافذة كان يُناديني ماي.. بالله عليك أرحميني أيتها المدينة.. خبريني أين مكان ماي.. تركتُ المدينة وعُدت إليها ثم تركتُها مرّة أخرى وعدتُ وماي لم يعُد بعد.

***************
عامان منذُ أن ترك ماي المدٌينة .. عامان وأنا أبحثُ عنه بلاجدوى !!

نقوش على ذاكرة خربة: فاصل أخير قبل نهاية العام

عبدالهادي الحاج

قُرص الشمسُ يتهاوى خلف التلال التي ترسم فاصلاً بيننا وماتُخبيئه الأقدار.. المدينة سوف تتذوق طعماً مختلفاً هذه الليلة.. تُساورنى شكوك أن ثَمَة مجهولاً يتربصُ بي.. لكن من أين يأتي هذا المجهول؟؟ وكيف له أن يخترقَ قلاع الأفراح المنتصبة في يوم كأنما الناس جميعاً قد أتفقوا على أن يُخضبوه بها..
 صوتُها يأتي مُشتعلاً عبر الهاتف.. (مابك يا حبيبى تبدو مُتكاسلاً ؟؟ هل نسيت موعدنا الليلة؟؟ هل نسيت أننا قد تخطينا مئات الليالي لأجل هذه الليلة ؟؟).
نعم تخطينا مئات الليالي.. فهي كانت مُحقة فيما تقول.. من أجل ليلة واحدة هدمنا الليالي على كثرتها.. غُرفتي هي الأخرى كانت تقاسمني الريبة.. النافذة تحملُ أصوات من الخارج تبدو أقرب لصافرات الإنذار أو هكذا خُيل لي.
هدير مُحركات السيارات.. صيحاتُ النساء.. ضحكات الصبية.. وأيضاً لُعب الأطفال كان لها مكان في هذه الجوقة. 
تعترك الأصوات ثم تَنَفك.. تعلو ثم تنخفض.. وأخيراً تلاشت حينما رن جرس الهاتف مرة أخرى.. والصوت الآتي يسأل ثم يُجيب على نفس السؤال ويعود ليؤكد ثم ينفي.. ثم يتلاشى على أمل العودة ثانية.
لحظة مفصلية تضخم فيها إحساسي بالـ(شيزوفرينيا).. وكانما أصبحتُ شخصاً آخر نهض من نومه إثر كابوس مفزع.. رحت أبحث عن الهندام والعطر والمعطف والحذاء الأكثر أناقة.. شعرت أن لصاً قد تسلل وسرق إحساسي بالوقت.
الشَطَ .. نعم .. الشَطَ كان مقصدي حيث تُنصب الأفراح.. وتُصبح الأرض مستقرً ومتاعُ إلى حين.. وحيث تُضاء مصابيح الأحلام المؤجلة إلى الغد القريب.
بدت لي وهى تمتطي آخر ليلة في العام كأنما هي آخر أنثى في الكون.. لم أكن اُطلق عليها لقباً كبقية البشر الذين التقيهم.. ولم أصنعُ إطاراً يجمعني بها سوى أنها (اُنثاي الوحيدة).
تقدمت نحوي خطوة وهي تشقُ الأصواتُ الغريبة.. خطوة ثانية ثم ثالثة.. اخترقت جسدي بعطرها.. همست في أذني بأن هذا المكان أوسع من أن يحتملنا.. اقتلعتني ورحلت بي بعيداً عن الشَطَ.. بعيداً عن رغبتي.. حاولتُ أن .. ولكن لامجال فقد قُضي الأمر.
شعرتُ بأنه كان يجب علي أن أثور!!.. لكن لم أكن لم أعلم ما الذي يجب أن أثور من أجله.. هل لرغبتى في معانقة الشَطَ ؟؟ لا .. فالشَطَ كان رغبتها هي ؟؟ هل لرغبتي في المغادرة لمكان آخر ؟؟ لا .. فتلك رغبتها أيضاً ؟؟.
يالها من اُنثى مستبدة .. كثيراً ما استلبت إرادتي بلا ثمن.. تقول إحدى أساطير اليونان إن إله الحب وإله الجنون كانا صديقين لا يفترقان.. لكن ثَمَة خلاف وقع بينهُا تشاجرا على إثره فدارت معركة خرج منها إله الحب فاقداً بصره على يد صديقه الحميم.
اجتمعت كل الآله لفض الإشتباك وتحقيق العدل ومحاسبة المعتدي.. وخلُص الأمر لتجريم إله الجنون ومعاقبته بأن يقود إله الحب (الأعمى) مدى الحياة.
الأصوات تَشَتبك مرة أخرى.. وكذلك الأسئلة في مُخيلتي.. وهي تضغط على كفي بقوة وتسحبه خلفها كأنما تخشى أن يتلاشى.. ثم يزداد الضغط.. وتتباعد المسافة بيننا بطول الأيدي الممتدة.
يقفز سؤال من بين الأسئلة المتشابكة.. من تكون تلك المخلُوقة التي تَسحَبُني للمجهول.. يتضخم الإحساس المُختلط بحالة الـ(شيزوفرينا).. وبلا مُقدمات أروح أبحث عن غرفتي.. وعن صافرات الإنذار وأصوات لعب الأطفال.. واتسألُ عن هذه الفتاة التي آراها لأول مرة فى حياتي كمئات الفتيات.. عفواً فأنتي دخيلة على عالمي.. انا لستُ بذلك الحب الأعمى الذى يقوده الجنون.. أنا(حر) أستطيع أقرر متى أحتفل.. وأين أريد الذهاب..

(وكان ذلك هو اليوم الأخير في تلك السنة التي صَنَعتها هي)..

أسئلة مفخخة .. «فى عشق السمراء»

عبدالهادي الحاج

السادسة والربع صباحاً.. أشعة الشمس تتسلل من نافذة الطائرة وبقايا دفء يهرب من جوف العظم.
خطوات تفصلني عن اُناس جُدد وأوجه مكدسة في ذاكرة مهترئة.
بضعة أوراق في المعطف لابد من تقديمها قرباناً لمعانقة الأرض الجديدة.
خطوات أخرى فتحت الطريق لما تبقى من أشعة الشمس.
مابين نافذة الطائرة ونافذة ذلك المبنى الفخيم عتمة تختلط بداخلها الدماء وتتمازج فيها الألوان وتحتضر اللغات بحيث لا تبقى إلا واحدة من بين الآلاف.
الدرج المتحرك نحو الأسفل ياخذني لمعانقة لوناً واحداً من ألوان البشر.. غابت تلك التفاصيل المتعددة في الأعلى.. وتلاشت بقايا ذلك الدفء المندس في العظم.. وصوت المغني يأتي من مكان بعيد.. ( الأماني الفي السفر قبل الزمن كايسه الموانئ) ثم يرحل صوت المغني بلاعودة.. ويرتفع صوت محرك العربة وهي تشق طريقها نحو مكان ما..
الشوارع تبدو مألوفة وكذلك الأشجار والمباني والقاطرات والكباري.. وشيئاً فشيئاً صارت اللغة مألوفة.. في دروس قديمة قالوا لنا أن الوطن هو مسقط رأس الآباء والأجداد!! .. ولكن لم يقولوا لنا أين كان يعيش أبونا آدم !! .. فقط قالوا أنه طُُرد من الجنة.
هل كانت الجنة التي خُلق فيها آدم هي وطنه ؟؟ وهل كان يرى أن الأرض بمثابة منفى؟؟ فقط ما نعرفه أنه لم يكن هناك من سبقه للأرض.
توقف سيل الأسئلة مع توقف محرك العربة.. الصورة المعلقة على أحد حوائط البهو الواسع لذلك الرجل صاحب الإبتسامة المميزة والأرفف التي تعج بالعديد من المشغولات اليدوية.
الموسيقى الهادئة المنسابة من مكان ما.. الفتاة الجميلة ذات الملامح الطفولية بزيها الأنيق.
تأملت كل تلك الأشياء أمامي.. وتسألت لماذا وضعت بذلك الترتيب الدقيق؟؟ هل تريد أن تقول بأن لهذه الأرض هوية ما؟؟.. إن كانت الهوية بذلك المنطق الذى دفعنا من اجله عمراً بأكمله.
آه من ذلك المصطلح الخبيث.. تساءلت حينها إن كان بإمكان الإنسان أن يحيا بلاهوية !! نعم.. ما حاجتنا للهوية حينما نجد الماء والهواء والغذاء.. وما الذي يمكن أن تضيفه لنا الهوية لنشعل من أجلها الحروب.
فيي المصعد الكهربائي ألقيت بتلك الأسئلة الحائرة جانبا ودفعته نحو الأعلى.. تمنيت أن لا يتوقف المصعد.. أن يأخذني بعيداً.. بعيداً عن ذلك البهو.
ورغماً عن أنف كل الأسئلة الحائرة صارت تلك المدينة لي أرضاً كتلك التى نُفي إليها آدم.
لم أكترث لفخ الهوية ولم أبحث عن معنى الوطن.. يكفى أن كل الأزقة يكسوها اللون الأسمر.. ليعود ذلك الدفء الذي تسرب عند باب الطائرة.. لم يغادرني إلا عند الساعة الثامنة من ذات مساء وعلى نفس الطائرة حينما تهادى الصوت النسائي الآتى من الأمام أن اربطوا الأحزمة إستعداداً للهبوط.
عادت لذاكرتي صورة آدم وهو يهبط في الأرض.. وصوت المغني يأتي أيضاً من مكان بعيد وهو يردد (رحلت وجيت في بعدك لقيت كل الأرض منفى)..

إلى السمراء أقول..

سوف لن أكترث لهذه الأسئلة المفخخة.. لا إلى الوطن ولا إلى الهوية.. فقد كان من السهل على آدم وحواء أن يتركا الجنة.. لكن لم يكن بإمكانهما إلا أن يعيشا معاً..

الأحد، 18 نوفمبر 2012

نظام الإنقاذ.. جنازة فى إنتظار التشييع

عبدالهادى الحاج


أن الشعوب هي التي تترك القيود تكبلها، بل أنها تكبل نفسها بنفسها ما دام خلاصها مرهوناً بالكف عن خدمة سيدها، طاغية كان أو دولة أو نظام. وأن الإستبداد متى دخل وخضع له جيل من الأجيال، استسلمت له الأجيال التالية إستسلامها لوضع طبيعي يصبح عندها عادة لا ترى فيه غرابه ما دامت قد ولدت في ظله ولم تخبر وضعاً غيره.

اتين لابويسيه قاض ومفكر فرنسي


أن أى تحليل للمشهد السياسى السوداني الراهن لابد أن ينطلق من قراءة لواقع طرفى المعادلة التى يمثل النظام الحاكم أحد طرفيها وبالمقابل يمثل الشعب السوداني بمختلف أطيافه السياسية والإجتماعية الطرف الآخر، وتأتى النتائج المحتملة للمعادلة وفقاً لما تحدده تفاعلات الطرفين سلباً وإيجاباً نحو السير فى الإتجاه الصحيح، وبالعودة لقراءة موقف النظام نجد أن ملمحه العام يتحدد طبقاً لعدد من الظروف الموضوعية التى ساهمت فى إيجاده وتلك التى ضمنت له عوامل الإستمرار خلال سنوات عمره التى تجاوزت الأربع وعشرون، شهد خلالها مراحل مختلفة بدأت بولادة قيصرية أتت به لمفاصل السلطة، ومن ثم مرحلة قوة وتمكين، قدرت له بسط جبروته، ومن ثم ضعفت بنيته بفعل الإنشطار الثنائى الذى أصابها، ليدخل فى مرحلة أخرى من التمكين الهادئ على عكس الأول الذى صاحبه الكثير من التشنج والسلوك الهستيرى، وقد هيّأ ذلك الجو من الراحة والسكينة عبر زواج متعة جمعه تحت سقف واحد مع اعداء الأمس، وما أن إنقضى ميقات تلك الزيجة حتى عاد لمرحلة ضعفه مرة أخرى، وفى هذه المرة كان الضعف بائناً بسبب مؤخر الصداق الباهظ، وبسبب عوامل الإنشطار الداخلى الذى أتى هذه الدورة أميبياً خالصاً. قصدت عبر هذه المقدمة أن أمهد لقراءة الوضع الراهن لنظام الإنقاذ فى سياق ظرف الشتات الذى يعيشه والأمواج المتلاطمة التى تمور داخل جسمه، والمتابع للشأن الداخلى للنظام يكاد لايجد مرحلة من عمره يبدو فيها ضعفه ووهنه جلياً أكثر من المرحلة المعاصرة، بحيث لايحتاج البرهان على ذلك إلى كبير عناء، فهاهى الأجنحة المتصارعة تتجلى حربها للعيان عبر مؤسساته السياسية والأمنية، ويكفى أن تقصف الطائرات الإسرائيلية مصنعاً للأسلحة فى قلب الخرطوم لتصبح تلك الحادثة ذلة يلوح بها قادته فى وجه بعضهم البعض، ويكفى أن يمرض رئيسه ليصبح مرضه ورقة يستخدمها أحد تلك الأجنحة لتامين وجوده وإقصاء الآخرين، ويكفى أن تنطلق من أقصى المدينة شائعة عن إنقلاب عسكرى حتى تُنشر قوائم المتورطين فى العملية وتمتلئ غياهب السجون بمن كان بالأمس يصدر الأوامر والفرمانات، بل ويصل الأمر حد الإتيان بمريض نفساني ليرأس المؤتمر العام للحركة الإسلامية التى نُبشت من قبرها وجئ بجثمانها كشاهد على الإصطراع، فهذا هو حال النظام ولاعزاء لدولة المشروع الحضارى التى أنهكتها عوامل الحروب والمجاعة والنزوح وفقدان الحياة الكريمة. ربما لايجدى الخوض فى تفاصيل تلك الصراعات التى يعملها كل من يتابع الشأن العام دون قرب منه، ومن تقع عينه كل صباح على عناوين الصحف السيارة أو صفحات المواقع الأسفيرية، وعرض سيناريوهات الصراع فى هذه المقالة ياتى من باب لزوم مالايلزم، وخلاصة المقصد هو أن النظام بات جسم متصارع تتهاوى أعمدته، وتتقاتل أجنحته، ضعيف سياسياً وأمنياً وبالطبع أيدلوجياً، نظام منهك إقتصادياً بفعل شح موارد الدخل العام وعوامل الفساد الداخلى والصرف على أجهزته المترهلة، نظام يفتقد لتناغم مؤسساته السياسية التى باتت تعمل وتقرر وتصرّح كجزر معزولة عن بعضها البعض تماماً، أو بالأحرى نظام أصابه الموت فقط ينتظر إعلان وفاته رسمياً وتشييعه. أما الطرف الآخر فى المعادلة وهو جموع الشعب السودان، فلمن اراد أن يتلمس مدى تطلعه للتغير لابد أن يستصحب نقطتان مهمتان تسيطران على وعيه الجمعى وتشكل كل منهما محوراً لعدد من التساؤلات، النقطة الأولى تتمثل فى سمة المقاومه السيكلوجية لأى رغبة فى تغيير الوضع الراهن وصناعة وضع جديد غير مأمون العواقب، أو(إستبدال القشعريرة بالعافية)، كما عرفها عبد الرحمن الكواكبى فى سفره طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد، وتلك الرغبة تنبع من طبيعة الشخصية السودانية الرافضة للتغيير، إلا ذلك الذى يأتى بالقوة مثل الإنقلابات العسكرية، أو بمحض عوامل آنية تنتقل خطواتها بصورة متلاحقة وتأتى فصولها بصورة متسارعة، لاتترك مساحة لإعمال التفكير وتأمل المشهد مع وجود أسباب تبرر ذلك التغيير عقب حدوثه وبعد أن يصبح واقعاً، وفى إعتقادى أن ذلك ماحدث خلال ثورتى أكتوبر وأبريل حيث جاء التغيير سريعاً وحاسماً على الرغم من أن المناخ العام الداعى لضرورة التغيير كان يبدو أقل حدة مما نعايشه اليوم، والشارع يعلم تماماً بأن النظام اليوم أصبح جثة هامدة أشبه بجثة النبى سليمان حينما قبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاته، لكن هيبته وقوته وجبروته وهو حى حالت دون أن يدرك خدامه من الجن حقيقة موته إلا بعد زمن طويل من حدوثه وبعد أن دلتهم على ذلك دابة الأرض التى إلتهمت عصاته فسقطت الجثة وكُشف الأمر وتوقف الجن عن الطاعة. أما النقطة الثانية فهى تعتبر إمتداد للأولى أوتفسير لها، وهى ماهية البديل القادم عبر هذا التغيير، وذلك سؤال مشروع طرحه الشارع العام قبل أن تستثمره مؤسسات النظام الأمنية وتعمل على الترويج له من باب تثبيط الهمم نحو صناعة التغيير، والتخويف من القادم المجهول والتذكير بالتغييرات المماثلة التى مر بها السودان والتى أنتجت بديلاً دون طموحات الشارع العريضة، وبذلك يصبح السؤال عن البديل بمثابة دعوة مبطنة لعدم الإندفاع نحو تغيير الوضع الراهن وقبوله بسؤاته. وهنالك فئة من الشعب السوداني رأت أن صناعة تغيير على النمط الكلاسيكى غير وارد، وبالتالى فلابد من إنتهاج نمط آخر رغم كلفته الباهظة، لكن على الأقل يبدو منطقياً من وجهة نظرها وقد تم تجريبه، وإن كانت نسبة نجاحه فى صناعة تغيير شامل ضئيلة، إلا أنه على الأقل يضمن صناعة تغيير جزئى، يتمثل فى دفع النظام لإقتسام كعكة السلطة عبر فوهة البندقية وذلك أضعف الإيمان طالما ليس بالإمكان إجباره لأن يتخلى عنها كليةً. وصورة الشارع السودانى فى مجملها أصبحت تتسم بالحيرة والإندفاع، الحيرة من عدم وجود إجوبة شافية لمجموع الأسئلة التى تدور فى الأذهان حول متطلبات ونتائج وإنعكاسات التغيير المجهول، والإندفاع نحو صناعة التغيير بالوسائل العنيفة وإحكام منطق القوة نحو صناعة التغيير المطلوب، والتعاطى إيجاباً مع هذين النقطتين يمثل المفتاح السحرى لأبواب التغيير الذى يلبى متطلبات كافة فئات الشعب السودانى. وهنالك قوة أخرى لايمكن إغفالها فى هذه المعادلة وقد تعمدت وضعها فى الهامش لسبب غياب رغبة التغيير الحقيقى داخلها وإن كانت ترغب فى تغيير من نوع آخر يضمن لها الحفاظ على مكتسباتها الموروثة، ولايهم إن أتت تلك المكتسبات عبر بوابة النظام أو بوابة الشارع المتطلع للتغيير، لذلك لاترى لها موقفاً بيناً ولا راياً ثابتاً بل تجدها على الدوام تبحث عن مؤطى قدم فى أرض الذى يمتلك القوة، فإن كانت الغلبة للنظام فهى فى القصر وإن كانت الغلبة للشعب فى الشارع، تلك القوة التى يعبر عنها قادة الأحزاب التقليدية الذين يقودن خلفهم قطاع كبير من المُغفلين والمُستغفلين من جموع الشعب السوداني، وعلى الرغم من موقفها الإنتهازى والسلبى نحو تطلعات الشارع نحو التغيير، إلا أنها حتماً سوف تجد نفسها مرغمة على السير فى الإتجاه الصحيح، حفاظاً على مكتسباتها خلال الفترة التى تعقب تشييع النظام، لذا تصبح هذه القوة فى موقف الحياد السلبى حتى يقول الشارع كلمته، وحينها سوف تعمل على ترجيح كفته عندما ترى أن مصالحها باتت فى اللحاق بقطار التغيير. تلك هى المعادلة إذن، نظام ميت متهالك يتكئ على عصاة هيبته المصطنعة والبالية، وشارع تتملكه الحيرة فيما يمكن أن يصنعه وتتعاظم بداخله هذه الحيرة لتدفعه للخضوع للنظام الميت بحكم الأمر الواقع، أما من رفض الخضوع فقد سلك طريق التغيير العنيف عبر الآلة العسكرية، وفى المنتصف قوة إنتهازية تراقب المشهد وتقرأ ثيرمومتر الأحداث لتقفز فى المكان الذى يضمن لها مكاسبها فى السيطرة ومواصلة الإستغفال، والسبب فى وجود هذه الحالة النشاذ هو غياب الرؤى السديدة والبرامج الواضحة القادرة على إقناع الشارع برفض الإستمرار فى الخضوع لنظام شبع موتاً والتعبير عن موقفه عبر الطرق السلمية، ومواجهة النظام بحقيقة موته، ولابد أن يلتف الجميع حول تلك الرؤى وذلك يقتضى التعاطى معها بمنهجية وطنية رحبة لاحزبية ضيقة، وفى ذات الوقت إقناع القوى المندفعة نحو حمل السلاح بضرورة تغيير منهجيتها والعمل سوياً مع القوى المؤمنة بالتغيير السلمى من الداخل حتى يتمكنا بيد واحدة من إزاحة جثة هذا النظام من كرسى السلطة، ويجب أن تحمل تلك الرؤى الضمانات الكافية لقوى التغيير العنيف بأن الوضع القادم سوف يحفظ لها مكتسباتها التى دفعت من أجلها دماء غالية فى سبيل صناعة واقع يتسع لتطلعاتها فى وطن قادر على إستيعاب الجميع، ودون صياغة تلك الرؤى بلاشك سوف تظل جثة نظام الإنقاذ تحكم الشعب السوداني إلى أن ينجلى الأمر الذى فيه تختلفون.

الأحد، 23 سبتمبر 2012

حينما تآمرت المعارضة مع الإنقاذ لبيع مثلث حلايب !!


عبدالهادي الحاج



التقى الرئيس المصري محمد مرسى بالرئيس السوداني عمر البشير فى أول زيارة للبشير لمصر عقب إنتخاب مرسي، وقد ناقش الرئيسان كل شئ يخص العلاقة بين مصر والسودان عدا القضية المحورية فى ما يتصل بتلك العلاقة وهى قضية مثلث حلايب السوداني أرضاً وسكاناً الواقع تحت الإحتلال المصري الكامل منذ العام 1995م، حيث صارت قضية حلايب التي عمدت إلى تجاهلها حكومة الإنقاذ خلال عهد نظام مبارك، مقابل صمت النظام المصري السابق عن حادثة إغتيال مبارك بأديس ابابا 1995، والتي تورط فيها قادة نظام الإنقاذ حتى أذنيهم، صارت هى الإسفين الحقيقي بين الدولتين السودانية والمصرية طوال الـ 17 عاماً الماضية، وقد عرف النظام المصري السابق كيف يستغل هفوات قادة الإنقاذ ومغامراتهم الصبيانية فى إقتطاع جزء عزيز من أرض السودان، كما عرف كيف يستغل ضعف المعارضة السودانية التى كانت ولازالت تتواجد فى القاهرة، ويعمل على تحييد مواقفها تجاه هذه القضية التى لاتحتمل المواقف الرمادية، فصار قادة الإنقاذ يخشون الملاحقة الدولية جراء مشاركتهم فى محاولة الإغتيال الفاشلة، وصار قادة المعارضة يخشون طردهم من نعيم القاهرة إن عبروا عن مواقفهم الوطنية الأصيلة، وطمست قضية حلايب إلا من تصريحات عابرة هنا وهناك تقول على إستحياء بأن حلايب سودانية، وبذلك الموقف فإن المعارضة تصبح شريكاً لحكومة الإنقاذ فى التآمر على بيع قضية حلايب. وظل بصيص الضوء الذى يأتى من نهاية النفق يشع من ألإيمان القوى والصبر اللأمحدود على السجون والتعذيب والمواقف الوطنية البطولية التى يجسدها سكان المثلث فى سبيل التمسك بهويتهم السودانية ونضالهم من أجل عودة الأرض المغتصبة لحضن الوطن. إن تواطؤ نظام الإنقاذ مع النظامين المصريين السابق والحالى يبدو مبرراً بالنظر لتركيبة الإنقاذ الطفيلية والإنتهازية، والتى لاترى فى السيادة السودانية أكثر من دُمية إسمها البشير، ويبدو مبرراً لنظام ذبح الذبائح ورقص طرباً حين إنفصل ثلث الوطن، ويبدو مبرراً لنظام يستخدم سياسة الأرض المحروقة فى مواجهة مواطنيه العزل، ولكن ليس للمعارضة السودانية أى تبرير لإتخاذ المواقف الرمادية حيال إحدى القضاياً التى تمثل إنتهاك السيادة الحقيقية للأرض وإحتلالها (على عينك يا تاجر)، ليس المطلوب من المعارضة أن تحمل السلاح وتقاتل المصريين فى حلايب قبل أن تحمل السلاح، وتقاتل مليشيات البشير، وليس مطلوباً منهاً تجلس لتتفاوض مع المصريين حول حلايب قبل أن تجلس وتتفاوض مع نفسها حول آليات إسقاط نظام الإنقاذ، ولكن المطلوب مواقف وطنية حقيقية يتم التعبير عنها بالوسائل السلمية من إعتصامات ووقفات إحتجاجية وتحمل تبعات هذه المواقف والعنف الذى قد تنتهجه الأجهزة الأمنية ضد مثل هذه الوقفات، والذى سوف يفضحها أكثر أمام ماتبقى من الشعب السوداني الذى لايزال يتعاطف مع البشير فى قضية الجنائية، ويكشف عن إدعاءتها الباطلة بالحفاظ على سيادة البلاد. كما يجب على الأحزاب السياسية (الوطنية) أن تعبر عن مواقفها بشكل واضح مع كل لقاء وكل حدث مصري سوداني وكل زيارة للرئيس المصري للسودان وأيضاً زيارات الرئيس السوداني لمصر، تؤكد فيه على سودانية المثلث وتدعو لجلاء القوات المصرية عنه، وأن تشمل تلك الإحتجاجات القاهرة نفسها حتى تكون إختبار حقيقي للوضع الديمقراطي الجديد فى مصر، فأى سوداني غيور ينبغي أن لايشرفه البقاء فى ظل نظام يسمح له بالمطالبة برحيل البشير ولايسمح له بالتعبير عن سودانية أرضه، فالديمقراطية الحقيقية فى الغرب تسمح (لأبى قتادة) الإسلامي المتشدد بالعيش فى بريطانيا والدعوة لهلاكها من مساجد لندن. إن نظام الإنقاذ راحل لامحال اليوم أو غداً وذلك ماتذهب إليه وقائع الأحداث، وإن لم يعى النظام المصري أبعاد هذه القضية على مستقبل العلاقات مع السودان سوف يكون الأمر وخيم العواقب فى المستقبل القريب، فإن كان نظام الإنقاذ نتيجة للأسباب الوارده أعلى المقال يغض الطرف عن هذه القضية التى بات يستخدمها للمناورة السياسية فقط مع النظام المصري الجديد، فإن الواقع الذى ستشهده الدولة السودانية عقب الإنقاذ سوف يجعلنا فى مواجهة حقيقية مع الدولة المصرية، مواجهة تنسف كل الحديث المعسول عن العلاقات الأزلية بين الشعبين والتاريخ المشترك وغيرها من العبارات الممجوجة. إن الملفات التى تتصدر العلاقات المصرية السودانية كثيرة وشائكة ومعقدة، أهمها حلايب ومياه النيل، وبدائل الأمن الغذائي المصري، وغيرها من الملفات الإقتصادية والسياسية الأخري، وجميعها لايمكن القفز إليها دون الوصول إلى تفاهم بين البلدين فى ملف حلايب الذى سوف يكون أمام السودان عقب زوال نظام الإنقاذ أحد خيارين للتعامل معه إما إسترداد المثلث بالقوة العسكرية وهذا الأمر سوف يأخذ بعض الوقت لأن القوات المسلحة السودانية تحتاج لبناء نفسها حتى تتحول من جيش حزبي إلى جيش وطني قادر على الدفاع عن أراضيه، والإكتفاء فقط بقطع العلاقة مع مصر وإعلان الحرب كموقف سياسي. أو إنسحاب مصر المشروط من حلايب مقابل تقديم السودان تنازلات كبرى على مستوي الملفات الأخري، مياه النيل ومستقبل الأمن الغذائي المصري، ويأتى إستبعاد خيار منطقة التكامل الذي ظلت تردده حكومة الإنقاذ كلما جاء ذكر حلايب والذي أيضاً ظل يواجه بصمت من الجانب المصري مفاده أن عليها (الرضي بالمقسوم).

الخميس، 30 أغسطس 2012

البشير .. الرئيس الذى يكذب ويتحرى الكذب !!


عبدالهادى الحاج


(يا أخوانا حصل يوم كضبت عليكم ؟؟ عشرين سنة حصل يوم قلت ليكم كلام كضب ؟؟)
التساؤلات أعلاه هى جزء من خطاب للرئيس عمر البشير أمام حشد من مؤيديه، وهذا الجزء من الخطاب تم تحويله إلى مقاطع صوتية يتم تبادلها عبر الهواتف المحمولة على نطاق واسع جداً، بل وصل الأمر إلى أن الكثيرين جعلوها نغمة للرنين.
لايختلف إثنان فى أن الكذب يعد أكثر السلوكيات التى تذمها النفس البشرية السوية، والشخص الذى يتصف بهذا السلوك يصبح منبوذاً على مستوى المجتمع بل ولا يمنحه الآخرين ثقتهم فى أى من شئوونهم العامة والخاصة، فإذا كان ذلك هو حال الفرد العادى فى المجتمع ترى كيف لنا أن نتخيل بأن شخصاً يمثل الكذب بالنسبة له الأكسجين الذى يتنفسه، والدم الذى يجرى فى شرايينه، واللباس الذى يستر عورته، كما هو حال الرئيس عمر البشير الذى هو نفسه يدرك هذه الحقيقة، وما ذلك التسجيل الصوتى الذى يسأل فيه بغباء وهو يخاطب مؤيده بأنه إن كان يوماً قد كذب عليهم خلال عشرين عاماً عرفوه خلالها، وهم ينفون عن صفة الكذب مجاراة له فى ذلك الغباء. ما ذلك إلا أكبر دليل على أنه لم يقل يوماً إلا الكذب منذ أن أطل على الشعب السودانى صبيحة الثلاثون من يونيو المشؤوم مدعياً أن الإنقلاب العسكرى الذى ظهر للعلن وهو قائده إنما هو قوامه أبناء القوات المسلحة الحادبين على مصلحة الوطن، وتلك كانت هى الكذبة الأولى التى إفتتح بها عهد الفساد والإستبداد الممنهج فى السودان، وعلى الرغم من أن تلك الكذبة لم نتطلى على الكثير من أبناء الشعب السودان الذين كانوا على يقين بأن ذلك الإنقلاب تقف من وراءه الجبهة القومية الإسلامية، إلا أن تلك الكذبة لم يتم الكشف عنها علناً إلا بعد إنشقاق صفة الإسلاميين ليفصح د.حسن الترابى عراب الإسلاميين عن ما أتفق عليه مع البشير حينما قررا وأد النظام الديمقراطى، بأن قال له مقولته الشهيرة ( إذهب إلى القصر رئيساً وسوف أذهب إلى السجن حبيساً) وتلك كانت هى الكذبة التى بدأ بها البشير عهده، وتلك الحادثة لاتكشف عن وصم شخصية البشير بالكذب فقط بل توصمه أيضاً بضعف الشخصية حيث إرتضى لنفسه أن يصبح حصان طراودة (للجبهجية) الذين لم يكن فى يوماً ما عضواً أصيلاً فى تنظيمهم، بل كانوا يعدونه أداة لإيصالهم إلى السلطة عبر بوابة القوات المسلحة بعد أن فشلوا فى نيل الأغلبية عبر صناديق الإقتراع، كما تكشف تلك الحادثة أيضاً عن خيانة البشير لقسم القوات المسلحة فى أن يظل إخلاصه وولائه للسودان ككل وليس لمجموعة حزبية بعينها مهما كانت تلك المجموعة فهى لاتمثل أهل السودان، والأدهى والأمر فى ذلك أن البشير لم ينكر حديث الترابى ليس من باب نفى صفة الكذب عنه بل من باب الإحتفاظ ببعض الهيبة لشخصه، كما لم يكفى بالصمت بل ذهب ليؤكد حادثة (إذهب إلى القصر رئيساً) بتصريحه الشهير عشية ليلة المفاصلة بأن (الرئيسين بغرقوا المركب) وفى ذلك إعتراف ضمنى منه بأنه قد مارس الكذب والتضليل على الشعب السودانى طيلة عشر سنوات لم يكن خلالها هو الرئيس الفعلى للبلاد، ليأتى بعد ذلك بعشر سنوات أخر ويسأل تلك الجموع إن كان يوماً قد كذب عليهم.
وإذا ما اخذنا صفتا الخيانة وضعف الشخصية نجد أنهما بطبيعة النفس البشرية تنتج عنهما شخصية تكون أميل إلى الكذب والتملق وابعد عن الصدق والأمانة، حيث يذهب علماء النفس إلى أن صفتا الكذب والخيانة متلازمتان من حيث مخالفتهما للفطرة الإنسانية السوية ومن حيث النتائج المترتبة عليهما، على الرغم من أن الكذب نتائجه اشمل واعم، والإنسان الذى يكذب لابد أن يخون بطبيعة الحال.
وخلال سنوات الإنقاذ الأولى إرتضى البشير وبطبيعة شخصيته الضعيفة أن يظل ديكوراً فى سلطة (الجبهجية) على الرغم من أنه نظرياً كان يجلس على هرم السلطة، لكن الظرف الذى أتى به لذلك المنصب لم يكن يسمح له بأن يعين أمين لجنة شعبية فى أحد أحياء العاصمة، إلا إن تكن تلك رغبة القادة الحقيقين من الإسلامويين.
ولعل البشير حينما كان يسأل تلك الجموع الملتفة حوله عن حقيقة كذبه كانت تتداعى إليه مئات المقولات والشعارات الجوفاء التى كان يرددها فى مستهل عهده، عن أن السودانيون سوف يأكلون مما يزرعون ويلبسون مما يصنعون، وعن محاربة الطغاة الأمريكان، ودنو عذابهم هم ورصفائهم الروس، وذلك السيل من الأكاذيب الجوفاء التى لم ير الشعب السودان خمس أخماسها، جميعها قد تذكرها البشير وهو على منصة الخطابة لذلك ودونما مقدمات وجد نفسه يطرح ذلك السؤال الذى لايسأله إلا من كان مزعزعاً فى نفسه، إن الشخص الكذاب دائماً يكثر من الحلف بإلله وبغير الله والتأكيد على أنه لايقول إلا الحق وتكرار الكلام والتقليل من شأن الآخرين وكل تلك الصفات قد وردت فى خطب وأحاديث البشير.
أما فى شأن الحلف بالله وبالطلاق ثلاثاً ربما لم ينسى اهل السودان قاطبة ذلك الخطاب الشهير للبشير الذى أقسم فيه بالطلاق بأن القوات الاممية لن تطأة أرض دارفور، بل ولم يكتفى بذلك حيث أكد فى لقاء له مع أعضاء حزبه المؤتمر الوطني أن القوات الاممية إن دخلت دار فور سوف يقود المقاومة بنفسه وزاد عليه بأنه سوف يتنحى عن منصبه، وبالطبع كل تلك (الحلائف) ذهبت أدراج الريح بصدور القرار 1769 من مجلس الأمن الدولى فى العام 2007م، وأنتشرت القوات الأممية فى دارفور بالآلآف ، ولم يقود البشير المقاومة ولم يتنحى عن منصبه ولاهم يحزنون، بل لم تبدو على وجهه قطرة من حياء.
ونحن نستعرض فى أكاذيب الرئيس البشير خلال سنواته العجاف فى حكم السودان لابد من الإشارة إلى ان الشخص الكذاب يحتاج لبعض القدرات منها الذهنية والنفسية والإنفعالية، على سبيل المثال يجب عليه ان يعرف كيف يتحكم فى مشاعره وتعابير وجهه وتصرفاته وتكييفها على حسب الوضع المطلوب، وهذه القدرات تتطلب إستعداد الشخص أخلاقياً وتربوياً للكذب،
مع الوضع فى الإعتبار أن أصحاب الشخصيات الضعيفة والقدرات المحدودة مثل البشير تكون دوافعهم أكبر للكذب على عكس أصحاب الشخصيات القوية والذين تكون دوافعهم أقل .
عند إندلاع ما بات يعرف بالربيع العربى فى كل من تونس ومصر، دب الخوف فى نفس البشير، وبات على يقين بأن تلك الإحتجاجات التى تجرى فى محيطه الأقليمى قد بأتت قاب قوسين أو أدنى من السودان، فأخذ يتحدث بأن الربيع العربى قد أتى للسودان حينما جاء بحكومة الإنقاذ، وأن الشعب السودانى شعب واع ولايمكن له أن يثور ضد حكمه لانه وفر لهم الأمن والأستقرار والرخاء، وأستقل البشير لقاءاً جماهيرياً بمدينة الدامر بولاية نهر النيل فى يناير 2011م ليؤكد بأعلى صوته أنه لايخشى ثورة السودانيين عليه، وحال حدوثها فإنه سوف يخرج اليهم فى الشارع كى يرجموه، وكما أى شخص يكذب ويحاول إقناع سامعيه بأنه صادقاً فى حديثه، أقسم البشير فى ذلك اللقاء الجماهيرى بأنه سوف يتنازل عن السلطة حال علمه بأن الشعب لايريده.
و لم يكن يريد البشير فى ذلك اللقاء أكثر من كذبة يطلقها فى الهواء ويستدر بها عاطفة الجموع التى وقفت تستمع له، وذلك ما أكدته مجريات الأحداث حينما إندلعت الإحتجاجات الأخيرة وظهرت بوادر ثورة داخل السودان، نسى البشير ذلك القسم المغلظ بتركه للسلطة وراح يصف تلك الجماهير التى خرجت للشوارع بأقبح الصفات تارة يصفهم بشذاذ الآفاق وأخرى بالشماسة ثم يتوعدهم بالسحق عبر مجاهديه الخُلص.
إن صفة الكذب دائماً ما تتسق معها مجموعة السلوكيات السيئة مثل التكبر والغرور والمغالاة فى الخصومة ووصف الآخريين بأقبح الصفات وإتهامهم بما ليس فيهم من باب الكذب، وبإسقاط هذه الحالات على خطابات البشير نجد أن الروح التى تحدث بها عقب حادثة هجليج تحمل هذه الصفات الواردة أعلاه، حيث أفاض فى سب أبناء جنوب السودان ووصفهم بأنهم (حشرات)، وأن من يريد أن يتحدث معهم لابد وأن يحمل عصاة، فى إشارة ضمنية لوصفهم بأنهم (عبيد)، وقال أن الوضع لايحتمل بعد اليوم إلا أن تحتل الحركة الشعبية الخرطوم أو هم يحتلون جوبا، وقطع بأن لاعودة للتفاوض مع هؤلا الحشرات مطلقاً، وارغى وأزبد فى ذلك الخطاب الشهير كما لم يفعل من قبل، ولم تمضى أكثر من بضعة أشهر حتى نقلت عدسات العالم قاطبة صورة البشير مهرولاً لمصافحة سلفاكير فى العاصمة الإثوبية أديس أبابا وليس فى وجهه زرة من خجل، كانما ذلك الشخص الذى وصف الجنوبيين بالحشرات ليس هو.
وبما أن إساءة الآخرين وتجريحهم صفة متأصلة لدى الشخص الكذاب لم تقف إساءات البشير عند أبناء الجنوب الذين آثروا الإنفصال فى عهده، بل شمل ايضاً قادة الحركة الشعبية قطاع الشمال حيث وصل سيل إساءات البشير لمالك عقار رئيس الحركة الشعبية ووصفه بأنه (تور) لايفهم، جعلوه والياً فأبى إلا أن يصبح متمرداً، إن عقدة الشعور بالنقص التى تلازم البشير لعلمه أنه لم يكن صانع الإنقلاب الذى أتى بحكومة الإنقاذ، ولم يكن يلعب أكثر من دور ثانوى فى تلك المسرحية، وحتى اليوم البشير يعلم أنه لايستطيع ان يتحكم فى مفاصل الدولة ولا يستطيع أن يصدر أى قرارات حساسة بصفته رئيساً للجمهورية، ذلك لوجود مجموعات نافذة أخرى تسيطر على مراكز صناعة القرار داخل الأجهزة السياسية والأمنية للدولة على الرغم من محاولة البشير خلق وجود قوى له داخل تلك المؤسسات عبر مجموعات تدين له بالولاء الشخصى قوامها اقاربه وأبناء عشيرته، إلا أنها ظلت عصية على سيطرته الكاملة، كل ذلك بطبيعة الحال يزعزع ثقته فى نفسه ويعمق داخله الشعور بالنقص ويجعله دائماً فى حاجة ماسة للإحساس بإلتفاف الآخرين حوله، مما يدفعه لمحاولة خلق بطولات وهمية وعنتريات جوفاء عبر الإساءة للأخرين وتحويل صراعاته مع الدول والمؤسسات إلى خلافات شخصية، كما حدث فى موضوع المحكمة الجنائية، حيث خلط البشير بين صراعه مع المحكمة الجنائية كمؤسسة لاترتبط بوجود شخص محدد وبين مدعى المحكمة لويس اوكامبو، وحاول البشير أن يرسم شكل الصراع على انه صراع شخصى بينه وبين أوكامبو، وأصبح يكيل له الشتائم ويسبه أينما وجد متسعاً لذلك، وكل تلك التناقضات كان لابد ان تدفع بالبشير إلى ممارسة جميع صنوف الأكاذيب بل ووصل به الحال فى كثير من الأحيان إلى تصديق الكاذيب التى يطلقها، حتى صار كذبه من الأمور المعتادة التى لايلقى لها الشعب السودانى بالاً.
إن شخص مثل البشير لامكان له على خارطة المجتمع الإنساني السوى ناهيك ان يسبق أسمه لقب رئيس لدولة عُرف أهلها بين كافة شعوب الارض بالصدق والامانة والإخلاص وعزة النفس، ولكن هى سخرية القدر التى أتت به لهذا المنصب الرفيع حينما وجد فيه (الجبهجية) مايبحثون عنها من صفات تجتمع لدى شخص واحد يجيد لعب الدور الذى رسم له، وتلك الوقائع التى عرضناها ماهى إلا نماذج محدودة جداً لكذب البشير، ومن يريد ان يتتبع كذب البشير عبر سنواته الأربع والعشرون فلن يستعصى عليه تأليف الكتب فى هذا الشأن.

الخميس، 19 يوليو 2012

خربشات على جدار الثورة السودانية (1)



عبدالهادى الحاج


إن الوسيلة الوحيدة الفعالة لقطع دابر الإستبداد هى ترقى الأمة فى الإدراك والإحساس، وهذا لايتأتى إلا بالتعليم والتحميس، ثم إن إقتناع الفكر العام وإذعانه إلى غير مألوفه لايتأتى إلا فى زمن طويل، لان العوام مهما ترقوا فى الإدراك لايسمحون بإستبدال القشعريرة بالعافية إلا بعد التروى المديد، وربما كانو معذورين فى عدم الوثوق والمسارعة لأنهم ألفوا أن لايتوقعوا من الرؤساء والدعاة إلا الغش والخداع غالباً. عبدالرحمن الكواكبى- طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد... قبل قرن ويزيد من الزمان إستطاع عبدالرحمن الكواكبى أن يكشف عن جزء من مكنونات العقل الجمعى للشعوب التى تجد نفسها تنئن تحت وطأة الإستبداد السياسى وجبروت الطغاة، من حيث إستكانتها ورضوخها وتسليمها بالأمر الواقع دون التفكير فى سبل الخروج من جحيم التسلط والقهر، خوفاً من المجهول وتوجسها منه أو كما قال الكواكبى عدم السماح بإستبدال القشعريرة بالعافية، ولكن فى ذات السياق حدد شروطاً لقطع دابر الإستبداد إرتبطت بالترقى فى الإحساس والإدراك والتعليم والتحميس وإقتناع الفكر العام. الآن وبعد مرور شهر على إشتعال ثورتنا الشعبية فى السودان ضد نظام مستبد جثم على صدر الأمة السودانية 24 عاماً، لاننكر أننا خسرنا الكثير من الوقت لإجل إقناع الفكر العام بأن العافية سوف تأتى بالفعل حين الشفاء من داء النظام المستبد، فجدلية البديل التى حاولت التسويق لها ترسانة الأمن الإستبدادى عبر أبواق النفاق والضلال من أزلام الطغاة، أثبتت عدم مقدرتها على مقارعة الحجة بالحجة، والمنطق بالمنطق، فتهاوت أسطورة السلطة المودعة لعيىسى بن مريم تحت زئير الجماهير الغاضبة على كل ماهو ذى صلة بالنظام المستبد فى السودان. إن البديل المطروح اليوم يعد بتمام العافية للجسد السودانى المنهك بالفساد والإستبداد والحروب والقتل ، عبر آلية دولة المؤسسات كبديل لدولة الإستبداد ودولة الحقوق المدنية كبديل لدولة الطغيان، وليس المقصود بالبديل تلك الوثيقة المعروفة بوثيقة البديل الديمقراطى، إنما البديل سوف يتقدم عبر أولئك الشباب الذى حملوا على عاتقهم هم الوطن المثقل بالجراح، أولئك الشباب الذين يحشرون الآن داخل زنازين نظام الإستبداد حشراً بعد أن جعلو الطاغية يشعر بأن قصوره قد ضاقت عليه بمارحبت، وان صوت الحرية الذى يصدحون به بأت يؤرق مضجعه صبح مساء. سوف تدك حصون الطائفية البغيضة وسوف تضمحل تجارة الدين إلى غير رجعة، وسوف تجتث شجرة الإنقاذ الخبيثة من جذورها، وهذا ليس من باب التمنى أو الرجاء إنما من موشرات سير الأحداث على الساحة ، ومن قراءة تاريخ الشعوب، وليس مايهمنا اليوم أننا نسير ببطء، بل ما يهمنا أن نواصل السير فى الطريق الصحيح، فقد إنكسر حاجز الرهبة والخوف من بطش النظام المستبد وعلم الجميع أن الحقوق لاتستجدى بل تنتزع، وتلك هى المرحلة الأصعب لتفكيك حلقات النظام المستبد المحروسة بقبضة الأمن، والتى يتم تغذيتها من خلال تغبيش الوعى وبث الأراجيف. إن المرحلة الحالية للتنظيم والتخطيط والعمل على إرهاق الطاغية حتى يسقط جثة هامدة، لقد إنطلقت الشرارة عفوية أو كرد فعل لسياسات غبية أكدت أن المشكلة الأساسية ليست فى السياسات بل فى النظام ذاته، وأشتعلت الشرارة حتى صارت الثورة شعلة تستلمها كل يوم فئة من فئات الشعب المكتوية بظلم النظام، بل وأضحت الثورة فعلاً يومياً وجزءاً من حراكنا الحياتى، وكما قيل فإن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.

الجمعة، 17 فبراير 2012

عفواً سيادة الرئيس .. كان ينبغى أن تجيب على هذه الأسئلة قبل زيارة البحر الأحمر

عبدالهادى الحاج

عفواً سيادة الرئيس .. قبل أن تطأ قدماك ولاية البحر الأحمر يتسأل المواطنون هناك هل سوف تعدهم بشرب مياه النيل خلال بضعة أشهر كما وعدتهم سابقاً .. ولم تفى بوعدك .. وهل سوف تعدهم بأنكم سوف تعيدون لمشروع دلتا طوكر سيرته الأولى كما وعدتهم سابقاً.. ولم تفى بوعدك.. وهل سوف لن تعدهم بإسترداد مثلث حلايب المغتصب من قبل الدول المصرية.. كما لم تعدهم سابقاً .. وهل سوف تحاربون شبح المجاعة الذى يهدد أرياف القنب والأوليب واللأى كليب وعدوبنا وعيتربا وإيس وفدوكوان وغيرها .. وغيرها من أصقاع الولاية التى صارت مناطق كوارث فى عهدكم.. وهل سوف تسأل واليكم المبجل صاحب الفخامة معالى الدكتور (الفخرى).. عفواً إن قلت فخرى فإننى فقط قصدت صاحب الدكتوراة الفخرية التى لايعلم أمرها حتى ممتهنى صحافة المركز العاصمى .. هل سوف تسأل محمد طاهر إيلا عن حقوق معاشيو الولاية التى تجاوزت الـ92 مليار جنيه كمديونية لصندوق المعاشات على الولاية .. مما دفع الصندوق لعدم صرف إستحقاقات المعاشيين لأكثر من 5 أعوام .. والمواطنون لايزالون يتسألون .. هل سوف تسأل يا سيادة الرئيس عن منحة غلاء المعيشة التى أصدرتم أوامركم بصرفها للعاملين بالدولة .. ولم يسمع بها بعضاً من معلمى دولتكم فى البحر الأحمر حتى اليوم ..وهل .. وهل .. وهل والقضايا تطول قائمتها..
عفواً سيادة الرئيس فالمواطنون من حقهم أن ترد على أسئلهم حتى يخرجوا لإستقبالكم.. وحتى يشاركونكم الرقص على شرف مهرجان السياحة الذى صرف عليه واليكم المبجل الغالى والنفيس .. وحتى يجددون لكم العهد .. ويعيدون لكم الثقة.. ويهتفون لكم بعمالة أوكامبو ومحكمة جناياته .
سيادة الرئيس .. إن لم تجب أو ترد على تساؤلات مواطنيكم فى البحر الاحمر فإننى سوف أوضح لسيادتكم مايحفظها مواطنو البحر الأحمر من إجابات لتلكم التساؤلات التى تدور بمخيلتهم.
إنهم يعلمون أن مياه النيل ماعادت إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمأن ماء حتى إذا أتاه لم يجده شيئاً.. وأن وعدكم السابق خلال العام الماضى بأنهم سوف يشربون مياه النيل خلال صيف العام الحالى ذهب أدراج الرياح لأن فترة العام التى كنتم ترونها بعيدة ويرونها قريبة قد جأت ولم يشربوا مياه النيل، وهم اليوم فى إنتظار الصيف الذى يليه ويعلمون أنهم لن يشربوا أبداً ، ليس لأنكم لم تفوا ولن تفوا بوعدكم.. فقط لأن الشركات الصينية التى كانت سوف تنفذ المشروع بموجب القرض الصينى الذى كنتم سوف تأخذونه والبالغ 470 مليون دولار ، لن تمنحكم له الحكومة الصينية بعد اليوم، لأنها سبق وأن قالت لكم أنها لاتضمن إستردادكم للقرض إلا عبر ضمانات بترولية عن طريق شركاتها العاملة فى مجال البترول السودانى من خلال حصة حكومتم من البترول.. وهذه الشركات ترى أنكم اليوم ما عدتم تمتلكون هذا البترول وبالتالى هذه الشركات لم يعد لديها مايضمن بانكم سوف تسددون قيمة القرض الذى سوف تنفذون به مشروع مياه النيل.. ومواطن البحر الاحمر يعلم بأن حلمه بشرب مياه النيل قد ولى دون رجعة ضحية مماطلتكم وتسويفكم خلال السنوات الماضية، والآن ضحية فقدان البترول وبالتالى فقدان أصدقاؤكم الصينين ثقتهم بإمكانية إسترداد قيمة القرض.
أما مشروع دلتا طوكر ياسيادة الرئيس فالمواطنون يعلمون أن واليكم المبجل فى البحر الاحمر ليس من أولوياته الزرع ولا الضرع.. ولايفقه فى كنهها أكثر من ما يفقه عن علوم الفضاء والفلك، وأن وزير زراعة واليكم يدرك أن التعاقد مع صبية نجوم الغد وإستقبال المطربات الفاتنات فى مطار بورتسودان هو مايضمن له البقاء على كرسى الوزراة وليس الإهتمام بتفيذ توجيهاتكم فيما يخص المشروع، وأن شجرة المسكيت لم تترك من مساحة الدلتا شبراً إلا وأحتلته، وأن مشروع نفرتكم الخضراء الذى وعدتم بأن يكون دلتا طوكر جزء منه لم يبارح ادراج المكاتب المكيفة.
أما حلايب ياسيادة الرئيس فالمواطنون يعلمون أنكم حتى الآن لم تمتلكون الجرأة التى تجعلكم تطلبون من الحكومة المصرية الجلاء عن أرضكم التى إحتلتها عنوة وإقتدارً، وأنكم لم تكونوا تقصدون الأرض المحتلة فى حلايب حينما تتحدثون عن سيادة البلاد بل فقط إن السيادة تتجسد فى شخصكم المعظم، وأن الشباب الذين جاءو من المثلث المحتل خلال زيارتكم الأخيرة يرفعون اللأفتات ترحيباً بمقدمكم قد خزلتموهم عندما لم تعلموا بأضعف الأيمان وتؤكدون على سودانية حلايب بل قمتم بتمجيد الثورة المصرية وشبابها ومددتموهم بماطاب لهم من الانعام آلآف مولفةً.
سيادة الرئيس المواطنون يعلمون أن قضية حلايب المحتلة لم تعد مرتبطة بملف محاولتكم إغتيال حسنى مبارك إبان مراهقتكم السياسية وتورط قيادات نافذة فى حزبكم بتلك التصرفات الصبيانية الطائشة، إنما صارت قضية إحتلال لا يمكن إزاحته إلا بالقوة (والرجالة) وأنكم لم تبلغوا هذه المرحلة بعد، لذا فالمواطنون لاينتظرون وعداً من سيادتكم بأداء صلاة العيد المقبل داخل المثلث المحتل.
سيادة الرئيس إن مواطنيكم فى جنوب طوكر لاينتظرون منكم زيارتهم لأنهم يعلمون أن تلك المنطقة لاتزال تصنف ضمن المناطق الأمنية وان زيارتكم لها سوف تنطوى عليها مخاطر كبيرة على حياتكم بسبب حقول الألغام التى لم يتم تفكيكها حتى اليوم، ولايضيرهم إن تعرضت حياتهم للخطر أو أن يفقدوها بالمرة لانهم إن لم يفقدونها بسبب الألغام حتماً سوف يفقدونها بسبب الجوع أو الأمراض الفتاكة، وإن لم يظفروا بهذه أوتلك فالفيضانات والسيول لهم بالمرصاد كما حدث خلال العام الماضى، كما يعلمون سيادة الرئيس أن واليكم المبجل بالبحر الأحمر يحرمهم من أبسط الحقوق الحياتية من صحة وتعليم، هل تعلم ياسيادة الرئيس أن واليكم لم يسبق له أن زار هذه الأصقاع النائية من ولايته لم يسبق له تفقد أحوال مواطنيه فى إيس وفودكوان واللأى كليب والاوليب وعيتربا وعدوبنا وقرورة وهمبكتا نعم همبكتا.. إسأله ياسيادة الرئيس إن كان يعرف موقع همبكتا فى خارطة ولايته.. هؤلا جميعاً يقتلهم الجوع والمرض .. لاتستغرب سيادة الرئيس إن علمت أن فيهم من لايزال يعتقد ان رئيس البلاد هو جعفر نميرى.. عفواً سيادة الرئيس فأغلب هؤلا لاينتظرون قدومكم لزيارتهم فقط لأنهم لم يسمعوا بك من قبل.
سيادة الرئيس .. إن معاشى البحر الاحمر لاينتظرون منك أن تحل قضيتهم التى زاع صيتها حتى بلغ عنان السماء.. لاينتظرون منك حلاً لانهم يعلمون أنك تبارك مايسميه واليكم المبجل وحاشيته بالتنمية.. والتى شيدت من الأموال المستقطعة من هؤلا العواجيز الذين أفنوا زهرة شبابهم فى خدمة هذا الوطن.. ويعلمون أن مباركتكم لهذه التنمية الزائفة تعنى مباركتم للظلم.. ويعلمون أنكم لم تسألوا واليكم المبجل يوماً عن متى سوف يسدد هذه المليارات التى تجاوزت التسعون لصندوق المعاشات حتى يعيدها لأصحابها.. المليارات التى يرونها تذهب (إسفلتاً) ومكياجاً خادعاً تُجمل به مدينة بورتسودان، بل جزء من مدينة بورتسودان فى الوقت يعيش فيه أكثر من نصف أحيائها فى بؤس من الحياة حتى صارت كالفتاة التى تحاول ان تستر جسدها العارى بمعطف باهظ الثمن فى ذات الوقت الذى تلهث فيه عطشاً.
سيادة الرئيس.. إن المعلمين فى البحر الاحمر لن يسألونكم عن متابعتكم لقراركم الذى أصدرتموه بصرف منحة غلاء المعيشة التى كانت عبارة عن 100 جنيه، لانهم يعلمون أنكم لم تقوموا بمتابعة تنفيذ القرار وأن المدراء التنفيذيين للمحليات قد حرموا المعلمين من هذه المنحة، لا لشئ إلا لانكم لم تقوموا بالمتابعة.. للدرجة التى حدت باحدهم أن هدد معلمتين فى إحدى المحليات النائية بقطع رزقهن إن سألن عن المنحة مرة أخرى، لأنه يعلم أنه ليس هنالك من يحاسبه مع إحاطت سيادتكم علماً بان ذلك المدير التنفيذى يورد فى حساباته للمالية أنه قد قام بصرف تلك المنحة، وبالطبع هؤلا المعلمون لايريدون إستفزاز سيادتكم حينما يبلغوكم بأن هذا المدير التنفيذى الذى يلبس نفسه ثوب (الملك المعظم) لايزور تلك المحلية إلا يومين خلال الشهر، لانه ليس بمقدوره ترك (عشرة كوتشينة) فى كورنيش إيتناينا على حافة مساءات بورتسودان السياحية.
سيادة الرئيس ذلك جزء يسير من الإجابات التى يعلمها مواطنو البحر الاحمر عن الأسئلة التى سوف يطرحونها على سيادتكم عندما يحط رحلكم الميمون على أرض الولاية.. لذا كان على سيادتكم أن تجيبوا عليها قبل ان توجه لكم إن كان لديكم من الأجوبة مايخيب ظن المواطنين.
ختاماً سيادة الرئيس مواطنو البحر الأحمر سوف يقولوا لك بأنهم لم يتركوا (سف التمباك).. لانهم حينما سألوا عنه وجدوا أن حكومة سيادتكم تتحصل الضرائب من تجارته وتستخرج الرخص والتصاديق لمحلات بيعه بل علموا أن بعضاً من وزرائكم يتعاطونه خلسة وعلانية.. لذا عملوا بقاعدة لاضرر ولاضرار.
كما يريدون أن يبلغوا سيادتكم انهم لم يتمكنوا من الإستحمام بعد.. لانهم لايريدون أن يزيلوا ما بإجسادهم من درن إلا بماء النيل كما وعدتموهم بذلك ..
وينتظرون من سيادتكم الإيفاء بالوعد أو إخبارهم بان الامر لم يكن أكثر من مزحة (وكلام والسلام).

السبت، 10 ديسمبر 2011

التيار الليبرالى وصناعة مستقبل السودان

عبدالهادى الحاج
(إن المستقبل ينتمي الى هؤلاء الذين يعدّون له اليوم) ..
مالكوم أكس

ثمة سؤال يتبادر لذهن جميع المتابعين للشأن السياسى السودانى .. وهو لماذا ظل الشعب السودانى صامتاً عن الصراخ فى وجه حكومته فى ظل موجة الثورات والإحتجاجات التى تجتاح محيطه الأقليمى على الرغم من الوضعى الإقتصادى والأمنى بالغ السوء الذى تعيشه البلاد؟؟ وتختلف الإجابة على السؤال بحسب المرجعية التى يستند إليها صاحب كل إجابة.. فهنالك من يقول أن الشعب السودانى واعى ولايريد أن يجازف بوحدة البلاد فى ظل الأوضاع المضطربة على هامشه الجغرافى لاسيما مع عدم وجود بديل مقنع للحكم يمكن أن يخلف النظام الحالى ووجهة النظر هذه ترى أن هذا النظام على الرغم من كبواته المتلاحقه إلا أنه يعتبر أفضل السيئين؛ وهى وجهة نظر أقرب للرسمية و يتبناها من يوالون النظام.
وهنالك من أن يرى إن الإطاحة بالنظام الحالى تعنى العودة لمسلسل السيدين الذى أصاب الشعب والدولة السودانية بالملل كما حدث عقب ثورة أكتوبر وإنتفاضة أبريل؛ وهو الأمر الذى يرفضه الشعب السودانى بدرجة لاتقل عن رفضه للنظام الحالى وتبدو رؤيته بضرورة أن تتقدم قوى بديلة المشهد السياسى وتعلن عن رموزها السياسية وأطروحتها التى تلهم الجماهير بالثورة؛ ووجهة النظر هذه تعبر عنها شريحة كبيرة من غير المنظمين سياسياً أو الأشخاص الغير منتمين لأى من الأحزاب السودانية.
كما أن هنالك إجابة أخرى ترى أن عدم تحرك الشارع السودان نحو الثورة يعود إلى أن التغيير القادم فى السودان لن يكون مركزياً كما كان سابقاً وأن قوى الهامش هى التى سوف تصنع التغيير ولاتعقد أملاً فى تحرك النخب السياسية المعارضة بما فيها القوى الحديثة واليسارية لانها حسب وجهة النظر هذه سوف لن تكون إلا قناعاً آخر للنظام الحالى وحلقة أخرى فى مسلسل سيطرة النخب (الشمالونيلية) على مفاصل ماتبقى من السودان، وهذه النخب بصورة أو بأخرى غير متضررة من بقاء النظام لسنوات قادمات على الأقل مع عدم إمتداد الحرب لمناطقها على الرغم من إكتوائها بلهيب الأزمة الإقتصادية، ووجهة النظر هذه يتبناها عدد كبير من أبناء مناطق الهامش السودانى الذين يرون أن الحل لن يكون إلاعبر البندقية.
أيضاً هنالك من أصبح يرى أن مسار أى تحرك نحو ثورة قادمة يجب أن يبدأ مطلبياً أو فئوياً أو حتى قبلياً بسبب ضعف لحُمة البناء الوطنى، وقد ترجم هؤلا ذلك عبر أحداث مياه أمدرمان وأحداث المناصير وأحداث القضارف.
وبالنظر إلى الواقع الذى أفرزته ثورات الشعوب فى محيط السودان الأقليمى، نجد أن بزوغ نجم حركات الإسلام السياسى كان هو الحدث الأبرز الذى سطرته الثورات العربية وبما أن تلك الدول ظلت تسيطر عليها أنظمة إستبداية لادينية فإن النظام السودان يعد على النقيض نظاماً إستبدادياً دينياً الأمر الذى يجعله عبئاً ثقيلاً على الوطن، لذا حينما إنطلقت شرارة الثورة فى تلك البلدان تقدمت القوى الإسلامية الصفوف وطرحت نفسها بديلاً للإنظمة السابقة عبر تبنيها لشعارات براقة عملت على إستغلال العاطفة الدينية لتلك الشعوب، وهنا يبدو تباين الحالة السودانية بالمقارنة مع الحالات الأخرى جلياً، ففى تلك الحالات ينظر لقوى الإسلام السياسى على أنها قوى جديدة تفتح آفاقاً لمستقبل أفضل نحو تداول سلمى للسلطة ولم يسبق لرموزها أن لحقت بهم أى شبهات متعلقة بالفساد أو إنتهاك حقوق الإنسان؛ بل كانو هم الضحية التى عانت من ذلك، فى الوقت الذى نجد فيه أن النظام السودانى والذى يمثل أحد تيارات الإسلام السياسى على الرغم من الإنشقاق الذى أصابه، يعتبر جزء من آلة الفساد والإستبداد فى المحيط الأقليمى وأحد أبرز العقبات التى يجب التخلص منها لبناء السودان الديمقراطى العلمانى وإقرار مبدأ التداول السلمى للحكم، الأمر الذى يبعد إمكانية أو فرضية صعود تيار إسلاموى أو دينى للسلطة؛ لتصبح الساحة السودانية مهيأ إما للقوى التقليدية أو قوى الهامش والحركات المسلحة أو القوى الليبرالية، ليبرز سؤال آخر وهو أى من هذه القوى يمكن أن يكون خياراً للشعب السودانى وبديلاً مناسباً ليطرح رؤيته على الساحة السياسية ؟؟
من واقع الحال يبدو أن رفض القوى التقليدية يعد قاسماً مشتركاً بين كل من يؤمن بضرورة الثورة على النظام الإنقاذى دون تجاهل أن تلك القوى هى الأعلى جماهيرية من بقية القوى الأخرى كما تعد الأكثر فاعلية فى تحريك الشارع السودانى، على خلاف النخب الليبرالية التى يتركز وجودها وسط الشرائح الصفوية فى المجتمع وبدرجة محدودة وسط بعض الراسماليين الوطنيين، أما قوى الهامش السودانى فهى تنحصر فى عدد كبير من الولايات الغربية والجنوبية (الجديدة) وولايات الشرق، وهذه القوى على الرغم من أنها تمثل قوى جماهيرية لايستهان بها فى صناعة أى تحرك إلا أنها تعانى الملاحقات الأمنية المستمرة والمكثفة بحجة موالاة المجموعات المتمردة على الدولة وتلك التى تحمل السلاح، بالإضافة إلى أن النظام نجح فى دق إسفين بينها ومجموعات وسط السودان مستخدماً فى ذلك التناقضات العرقية كفزاعة لتخويف العناصر الوسطية من سيطرة المجموعات غير العربية على مفاصل البلاد، وذلك عبر تسخير آلته الإعلامية الضخمة الأمر الذى جعلها مثار شكوك كثيرة حيال تقدمها أى عملية تغيير قادم.
لكن إذا نظرنا من زاوية أخرى نجد أن جميع القوى الشبابية المنتمية للأحزاب التقليدية تبدو ناقمة على قيادات أحزابها بسبب وضعها على هامش صناعة القرار داخل تلك الأحزاب بالإضافة إلى معاناتها من سيطرة الحرس القديم على مفاصل أحزابها والمغازلات المستمرة بين أولئك القادة ونظام الإنقاذ، متجاهلين فى ذلك التضحيات الجسام التى قدمها أولئك الشباب حينما كان التعذيب والإعتقال والتصفية هو العنوان الوحيد لتعامل النظام مع القوى السياسية الاخرى، بل أن قادتهم على إستعداد للإنخراط فى النظام مقابل بعض المكاسب الشخصية المحدودة، كما هو الحال مع الحزب الإتحادى الديمقراطى فى مشاركته الأخيرة، فى ذات الوقت فإن معظم هؤلا الشباب لم يتركوا أحزابهم وظلوا جزء منها على الرغم من سخطهم المتجدد عليها إلا أنهم لايمانعون فى الإنضمام إلى الأجسام الشبابية الأخرى التى تدعو لإسقاط النظام بالصورة السلمية سواء كان تلك الأجسام التى إستطاعت أن تخرج للعلن وتعلن عن نفسها كمجموعة (قرفنا) وتحمل هذه المجموعات لعبء الملاحقات الأمنية، أو تلك التى ظلت تبث دعواتها عبر الإنترنت، وفى كلا الحالتين فإن ذلك يؤكد إستعداد هؤلا الشباب لترك أحزابهم التقليدية متى ما وجدوا الأجسام التى تجسد طموحاتهم وأحلامهم فى بناء وطن يسع الجميع، كما أن هؤلا الشباب لديهم مواقف واضحة تجاه قضايا التعدد الثقافى والعرقى والدينى فى السودان وقضية فصل الدين عن الدولة، على عكس قادتهم الذين تبدوا مواقفهم حيال هذه القضايا أقرب إلى مواقف التيارت الإسلاموسياسة التى يقف على راسها النظام الإنقاذى.
إن تلك التناقضات تضع شريحة شباب الأحزاب التقليدية فى خانة قريبة جداً من التيار الليبرالى السودانى والذى يمكن أن يستفيد من طاقاتهم الشبابية لدعمه فى المرحلة الثورية والإستفادة من جاهزيتهم التنظيمية ليصبحوا جزءً منه والعمل على إحتوائهم لدعم أطروحته السياسية كبديل مناسب لقيادة البلاد خلفاً للنظام الإنقاذى.
أما التيار الليبرالى السودان على الرغم من محدوية أنصاره إلا أنه يمتلك عدد من النقاط الإيجابية التى لو إستطاع التعامل معها بشكل أمثل سوف تفتح له آفاق القيادة المستقبلية فى السودان، حيث يسيطر المنتمون للتيار اللبيرالى على قيادة جميع منظمات المجتمع المدنى النشطة ومراكز التنوير والحداثة بالإضافة إلى تمدده فى مختلف الأوساط الفنية، كما يعد الأوفر حظاً فى إمكانية الحصول على الدعم الخارجى سواء كان مادياً مباشراً أولوجستياً عبر توفر فرص تدريب الكوادر الليبرالية فى مختلف أوجه العمل السياسى من خلال شبكة علاقات واسعة مع المنظمات اللبيرالية العالمية ومنظمات المجتمع المدنى فى الدول الغربية والأفريقية والعربية.
أيضاً هنالك قوى أخرى فى الساحة السياسية لايمكن الإستهانة بها فى صناعة أى تحرك لتغيير النظام وهى قوى اليسار السودانى أو القوى الإشتراكية والتى يقف على رأسها الحزب الشيوعى السودانى والأحزاب القومية العربية، فهى وإن كانت فى الوقت الحالى تكاد تتطابق مواقفها مع موقف التيار الليبرالى فى إسقاط النظام، إلا أن مرحلة مابعد إسقاط النظام قد تكشف عن بعض التناقضات مع موقف التيار الليبرالى؛ لكن لن يكون تاثيرها كبيراً، ففى الوقت الذى ينظر فيه البعض إلى الحزب الشيوعى السودانى على أنه جزء لايتجزاء من القوى التقليدية، نجد أن حراكاً قوياً يعلن عن وجوده داخل قواعد الحزب التى بدأت تتضجر من سيطرة ديناصورات الحزب على صناعة مواقفه، لكن الضوابط التنظيمية الصارمة التى يطبقها الحزب الشيوعى على عضويته تحد من خروج تلك الأصوات عن دوائر الحزب، أما على مستوى البرنامج السياسي فإن الحزب الشيوعى لم يتبقى له من شيوعيته سوى الإسم بعد أن أصبح عدد من قادته يطلقون تصريحات حول علاقة الدين بالدولة تتناقض بصورة أساسية مع المواقف المعلنة والمعروفة للحزب الشيوعى، ونفى شباب الحزب المستمر لتلك المواقف ومحاولة خلق ضبابية حولها يؤكد رفضهم لها، أيضاً فإن الحزب الشيوعى قد فقد معظم قواعده الجماهيرية جراء التخريب المتعمد من قبل النظام الإنقاذى للقطاع الإنتاجى الحكومى، بالإضافة إلى ذلك فإن مساحة الريبة والتوجس التى إستطاعت أن تخلقها التيارات الإسلاموية بين قطاع واسع من الشعب السودانى وكل ماهو شيوعى تدفع عدد كبير من الشيوعيين لطرح مسألة تغيير إسم الحزب كضرورة يتطلبها واقع العمل وسط الجماهير مستقبلاً الأمر الذى قد يخلق تياراً يبدو قربياً جداً من رؤية التيار الليبرالى، أضف إلى ذلك الخبرات الكبيرة التى يتمتع بها الحزب الشيوعى فى ما يتعلق بالعمل السرى حيث يمكن الإستفادة من تلك الخبرات فى مرحلة صناعة الثورة.
أما قوى الهامش السودانى فعلى الرغم من قاعدتها الجماهيرية الكبيرة التى يمكن أن تساهم فى صناعة التغيير إلا أن العنف الذى إنتهجته الإنقاذ كوسيلة وحيدة للتعامل معها حيال رفعها لمطالبها العادلة، جعلها تتوجس من كل ماهو قادم من المركز غض النظر عن ماهية هذا القادم فهو يعد فى نظرها محاولة أخرى للإلتفاف عليها وإحتوائها عن المطالبة بحقوقها التى علا سقفها حد مطالبة بعضها بحق تقرير المصير عن الوطن السودانى، وبالرغم من هذه التناقضات إلا ان التيار الليبرالى السودانى يتفق ويختلف معها فى نقطتين جوهريتين بالنسبة له وبالنسبة لها، فالنقطة التى يتفق فيها معها هى التأكيد على المطالبة بقيام دولة ديمقراطية علمانية ليبرالية فيدرالية، والنقطة التى يختلف فيها معها هى إنتهاج العمل العسكرى المسلح كوسيلة لصناعة التغيير، من هنا تبرز ضرورة إختراق التيار الليبرالى لتلك القوى وإقناعها بضرورة دعم العمل الثورى السلمى دون دعوتها للتخلى عن إستراتيجية العمل المسلح، وضرورة إعطائها التطمينات اللازمة بمستقبل السودان الديمقراطى الليبرالى الذى سوف يحفظ له كينونها الثقافية والعرقية فى إطار الوطن الواحد، وهذه القوى تلقائياً سوف تتخلى عن حمل السلاح حال تحقق التغيير الذى يلبى مطالبها، وفرصتها أكبر فى أن تصبح سنداً جماهيرياً للتيار الليبرالى السودانى.
إن الحالة السياسية السودانية بتناقضاتها وتقاطعاتها تلك تفتح الباب على مصراعيه للتيار الليبرالى السودانى لتقدم الصفوف وطرح نفسه بديلاً مناسباً للنظام الإنقاذى الذى مزق وحدة البلاد بسياسته الإقصائية البغيضة، وعمل على تبنى نهج التهميش السياسى والثقافى والإجتماعى تجاه مختلف العرقيات (اللأ شمالونيلية)، وخرب الإقتصاد الوطنى عبر حمايته ودعمه لآلة الفساد التى وضعت 90% من الشعب السودانى فى خانة الفقراء؛ وإن كانت ثورات المحيط الأقليمى السودانى قد مكنت لصعود تيارات الإسلام السياسى كقوى مستقبلية بديلاً للنظم الإستبدادية اللأدينية التى صار ينظر إليها من زاوية الماضى الواجب إجتثاثه، فإن التيار الليبرالى السودانى يعد الأوفر حظاً للتقدم كتيار مستقبلى لبناء الدولة السودانية الديمقراطية اللأدينية، بديلاً لدولة الإنقاذ الدينية لمستبدة التى يؤمن الشعب السودانى بأنها باتت أيضاً من الماضى الواجب إجتثاثه.