الأحد، 20 يناير 2013

نقوش على ذاكرة خربة: عامان على رحيل ماي


عبدالهادى الحاج

في الخامسة والنصف مساءً كانت العَربة قد وصلت محطتها الأخيرة..
درجة الحَرارة في المدينة تتجاوزُ الصفر ببضعة درجات.. الأعيُن المُبعثرة في المكان جَميعُها تَبحثُ عن قادم طال إنتظاره.. لم يَبذلُ (ماي) جهداً كبيراً ليَقتنصُنيي من بين مئات البشر الذين ضٌاق بهم المكان.
الدماء تتجمدُ في العروق من شدّة البرد، ودفء حُضور ماي يفتحُ لها الف شريانً لتَنَسابُ شوقاً وتحناناً.
كان كل شئ في المدينة يبدو جديداً في أول عهدي بها.. شوارعها .. بناياتها .. أرصفتها .. حاناتها .. إلا وجهُ ماي .. فقد كان هو الشئ الوحيد المألوف.
ماي اُسطورةً تربّعت على الوجدَان.. ونهراً يرفدنا بالرغبة في الحياة.. ماي قصةُ وطنٌ أصابته (عينُ الحَسَد).. لم ألتقيه من قبلٌ لكنني أعرفه جيداً.. أعرفه حينما حاربنا المُستعمر معاً في أرض النوير وغابات شيكان وسهول التيب وتاماي.. وأنقطعَتَ سيرتُه عندما ترك قريته الصغيرة هرباً من الحرائق والقتل وأصواتُ المدافع وأزيز طائراتُ الموت.. هرَبَ بعيداً عن رائحة الحرب وصَنَع رُكناً قصياً في فؤاده أسماه (الوطنٌ).. خَبأ فيه كل ماهو جميلُ عن أرض الأجداد.. فكان ذلك الرُكن بمساحة مليون ميل مُربع.. تعانقنا كأننا لم نتذوق طعمُ العناق من قبل.. سرنا فى أرصفة المدينة سوياً نقتسمُ روعة الحضور الذي لَم تُفسده سوى لغةُ المُستعمر.. فقد عَلَت أصواتُ الرصٌاص قبل أن تَهبَط رايةُ المُستعمر الذى خَرَج وترك لغته غريبةُ على الألسُن.. ماي يُعلمني كلّ صَباح كيف أعشق تفاصيل المديٌنة.. وكيف أردد أنشودّة طالما توارَتَ في القلوب خوفاً من طائرات الموت.. (أنت سوداني وسوداني أنا.. ضَمّنا الوادي فمن يُفصلُنا).. ففي تلك المديٌنة البعيدة عن قرية ماي خَرجت الأنشودة من مخبئها.. ورقصت سُكرى على سمفونية الوطن اللأمُتناهي.. ماي كان يسألني عن عزّة وعن الخَليل وعن دقنة وعلي دينٌار والسُلطان يامبيو وعن ترهاقا وبادي أبو شلوخ والماظ وعلي عبداللطيف.
ماي صار تحَية الصَباح ووداع آخر الليل وزَخَات المَطر عند منتصٌف النهار .. ماي صار رحيقُ الأمكنة ودفء الأزمنة .. المدينة صارت عندي كلها ماي.. فكان عصيّاً علي أن أمنحُها تحيةُ الوداع.. عصيّاً علي أن أجمع شتات الدّمع الذي تبعثَر في الطُرقات.. عصيّاً علي أن أفارق ماي.
همستُ في أذنه (أخشى أن أعود ولا أراك هنا مرة أخرى).. صمت طويلاً ولم يرَد.. عيناه أكملتا ملامح تلك اللوحة التراجيدية.. رحلتُ بعيداً عن ماي .. رحلتُ إلى (الوطن المجازى).. ذهبتُ أبحث عن قرية ماي لأخبرها عنه وعن وطن آخر شيدناه سوياً فلم أجَد القرية ولم أجد طائرات الموٌت.. ولم أجد سوى (ثوراً أسود) مذبوحاً على قارعة الطرٌيق.. يا إلهي ما الذي حدث؟؟ من الذى سَرَق القرية؟؟.. ياله من وطن (منحُوس).. وطن سرق أرضه اللصوص وقايضوه بثور أسود.
هرولتُ مُسرعاً نحو المدينة البَعيدة أبحثُ عن ماي.. أبحثُ عن حُلم تسرّب كما الماء بين تَشَقُقات الأرض.. أين أنت يا ماي.. يا للأسف ليس هناك من مُجيب.. كُل شئ في المدينة كما هو إلا وجه ماي.. بربك قل لي أين تختبئ ؟؟ أخرج لنعيد القرية المسٌروقة !! .. لم أترك شارعاً إلا وبحثتُ فيه عن ماي.. لم أترك حَجَراً إلا وسألتُه عن ماي.. في ذلك المقعد كان يجلسُ ماي.. من ذلك الدرب كان يأتي ماي.. من تلك النافذة كان يُناديني ماي.. بالله عليك أرحميني أيتها المدينة.. خبريني أين مكان ماي.. تركتُ المدينة وعُدت إليها ثم تركتُها مرّة أخرى وعدتُ وماي لم يعُد بعد.

***************
عامان منذُ أن ترك ماي المدٌينة .. عامان وأنا أبحثُ عنه بلاجدوى !!

نقوش على ذاكرة خربة: فاصل أخير قبل نهاية العام

عبدالهادي الحاج

قُرص الشمسُ يتهاوى خلف التلال التي ترسم فاصلاً بيننا وماتُخبيئه الأقدار.. المدينة سوف تتذوق طعماً مختلفاً هذه الليلة.. تُساورنى شكوك أن ثَمَة مجهولاً يتربصُ بي.. لكن من أين يأتي هذا المجهول؟؟ وكيف له أن يخترقَ قلاع الأفراح المنتصبة في يوم كأنما الناس جميعاً قد أتفقوا على أن يُخضبوه بها..
 صوتُها يأتي مُشتعلاً عبر الهاتف.. (مابك يا حبيبى تبدو مُتكاسلاً ؟؟ هل نسيت موعدنا الليلة؟؟ هل نسيت أننا قد تخطينا مئات الليالي لأجل هذه الليلة ؟؟).
نعم تخطينا مئات الليالي.. فهي كانت مُحقة فيما تقول.. من أجل ليلة واحدة هدمنا الليالي على كثرتها.. غُرفتي هي الأخرى كانت تقاسمني الريبة.. النافذة تحملُ أصوات من الخارج تبدو أقرب لصافرات الإنذار أو هكذا خُيل لي.
هدير مُحركات السيارات.. صيحاتُ النساء.. ضحكات الصبية.. وأيضاً لُعب الأطفال كان لها مكان في هذه الجوقة. 
تعترك الأصوات ثم تَنَفك.. تعلو ثم تنخفض.. وأخيراً تلاشت حينما رن جرس الهاتف مرة أخرى.. والصوت الآتي يسأل ثم يُجيب على نفس السؤال ويعود ليؤكد ثم ينفي.. ثم يتلاشى على أمل العودة ثانية.
لحظة مفصلية تضخم فيها إحساسي بالـ(شيزوفرينيا).. وكانما أصبحتُ شخصاً آخر نهض من نومه إثر كابوس مفزع.. رحت أبحث عن الهندام والعطر والمعطف والحذاء الأكثر أناقة.. شعرت أن لصاً قد تسلل وسرق إحساسي بالوقت.
الشَطَ .. نعم .. الشَطَ كان مقصدي حيث تُنصب الأفراح.. وتُصبح الأرض مستقرً ومتاعُ إلى حين.. وحيث تُضاء مصابيح الأحلام المؤجلة إلى الغد القريب.
بدت لي وهى تمتطي آخر ليلة في العام كأنما هي آخر أنثى في الكون.. لم أكن اُطلق عليها لقباً كبقية البشر الذين التقيهم.. ولم أصنعُ إطاراً يجمعني بها سوى أنها (اُنثاي الوحيدة).
تقدمت نحوي خطوة وهي تشقُ الأصواتُ الغريبة.. خطوة ثانية ثم ثالثة.. اخترقت جسدي بعطرها.. همست في أذني بأن هذا المكان أوسع من أن يحتملنا.. اقتلعتني ورحلت بي بعيداً عن الشَطَ.. بعيداً عن رغبتي.. حاولتُ أن .. ولكن لامجال فقد قُضي الأمر.
شعرتُ بأنه كان يجب علي أن أثور!!.. لكن لم أكن لم أعلم ما الذي يجب أن أثور من أجله.. هل لرغبتى في معانقة الشَطَ ؟؟ لا .. فالشَطَ كان رغبتها هي ؟؟ هل لرغبتي في المغادرة لمكان آخر ؟؟ لا .. فتلك رغبتها أيضاً ؟؟.
يالها من اُنثى مستبدة .. كثيراً ما استلبت إرادتي بلا ثمن.. تقول إحدى أساطير اليونان إن إله الحب وإله الجنون كانا صديقين لا يفترقان.. لكن ثَمَة خلاف وقع بينهُا تشاجرا على إثره فدارت معركة خرج منها إله الحب فاقداً بصره على يد صديقه الحميم.
اجتمعت كل الآله لفض الإشتباك وتحقيق العدل ومحاسبة المعتدي.. وخلُص الأمر لتجريم إله الجنون ومعاقبته بأن يقود إله الحب (الأعمى) مدى الحياة.
الأصوات تَشَتبك مرة أخرى.. وكذلك الأسئلة في مُخيلتي.. وهي تضغط على كفي بقوة وتسحبه خلفها كأنما تخشى أن يتلاشى.. ثم يزداد الضغط.. وتتباعد المسافة بيننا بطول الأيدي الممتدة.
يقفز سؤال من بين الأسئلة المتشابكة.. من تكون تلك المخلُوقة التي تَسحَبُني للمجهول.. يتضخم الإحساس المُختلط بحالة الـ(شيزوفرينا).. وبلا مُقدمات أروح أبحث عن غرفتي.. وعن صافرات الإنذار وأصوات لعب الأطفال.. واتسألُ عن هذه الفتاة التي آراها لأول مرة فى حياتي كمئات الفتيات.. عفواً فأنتي دخيلة على عالمي.. انا لستُ بذلك الحب الأعمى الذى يقوده الجنون.. أنا(حر) أستطيع أقرر متى أحتفل.. وأين أريد الذهاب..

(وكان ذلك هو اليوم الأخير في تلك السنة التي صَنَعتها هي)..

أسئلة مفخخة .. «فى عشق السمراء»

عبدالهادي الحاج

السادسة والربع صباحاً.. أشعة الشمس تتسلل من نافذة الطائرة وبقايا دفء يهرب من جوف العظم.
خطوات تفصلني عن اُناس جُدد وأوجه مكدسة في ذاكرة مهترئة.
بضعة أوراق في المعطف لابد من تقديمها قرباناً لمعانقة الأرض الجديدة.
خطوات أخرى فتحت الطريق لما تبقى من أشعة الشمس.
مابين نافذة الطائرة ونافذة ذلك المبنى الفخيم عتمة تختلط بداخلها الدماء وتتمازج فيها الألوان وتحتضر اللغات بحيث لا تبقى إلا واحدة من بين الآلاف.
الدرج المتحرك نحو الأسفل ياخذني لمعانقة لوناً واحداً من ألوان البشر.. غابت تلك التفاصيل المتعددة في الأعلى.. وتلاشت بقايا ذلك الدفء المندس في العظم.. وصوت المغني يأتي من مكان بعيد.. ( الأماني الفي السفر قبل الزمن كايسه الموانئ) ثم يرحل صوت المغني بلاعودة.. ويرتفع صوت محرك العربة وهي تشق طريقها نحو مكان ما..
الشوارع تبدو مألوفة وكذلك الأشجار والمباني والقاطرات والكباري.. وشيئاً فشيئاً صارت اللغة مألوفة.. في دروس قديمة قالوا لنا أن الوطن هو مسقط رأس الآباء والأجداد!! .. ولكن لم يقولوا لنا أين كان يعيش أبونا آدم !! .. فقط قالوا أنه طُُرد من الجنة.
هل كانت الجنة التي خُلق فيها آدم هي وطنه ؟؟ وهل كان يرى أن الأرض بمثابة منفى؟؟ فقط ما نعرفه أنه لم يكن هناك من سبقه للأرض.
توقف سيل الأسئلة مع توقف محرك العربة.. الصورة المعلقة على أحد حوائط البهو الواسع لذلك الرجل صاحب الإبتسامة المميزة والأرفف التي تعج بالعديد من المشغولات اليدوية.
الموسيقى الهادئة المنسابة من مكان ما.. الفتاة الجميلة ذات الملامح الطفولية بزيها الأنيق.
تأملت كل تلك الأشياء أمامي.. وتسألت لماذا وضعت بذلك الترتيب الدقيق؟؟ هل تريد أن تقول بأن لهذه الأرض هوية ما؟؟.. إن كانت الهوية بذلك المنطق الذى دفعنا من اجله عمراً بأكمله.
آه من ذلك المصطلح الخبيث.. تساءلت حينها إن كان بإمكان الإنسان أن يحيا بلاهوية !! نعم.. ما حاجتنا للهوية حينما نجد الماء والهواء والغذاء.. وما الذي يمكن أن تضيفه لنا الهوية لنشعل من أجلها الحروب.
فيي المصعد الكهربائي ألقيت بتلك الأسئلة الحائرة جانبا ودفعته نحو الأعلى.. تمنيت أن لا يتوقف المصعد.. أن يأخذني بعيداً.. بعيداً عن ذلك البهو.
ورغماً عن أنف كل الأسئلة الحائرة صارت تلك المدينة لي أرضاً كتلك التى نُفي إليها آدم.
لم أكترث لفخ الهوية ولم أبحث عن معنى الوطن.. يكفى أن كل الأزقة يكسوها اللون الأسمر.. ليعود ذلك الدفء الذي تسرب عند باب الطائرة.. لم يغادرني إلا عند الساعة الثامنة من ذات مساء وعلى نفس الطائرة حينما تهادى الصوت النسائي الآتى من الأمام أن اربطوا الأحزمة إستعداداً للهبوط.
عادت لذاكرتي صورة آدم وهو يهبط في الأرض.. وصوت المغني يأتي أيضاً من مكان بعيد وهو يردد (رحلت وجيت في بعدك لقيت كل الأرض منفى)..

إلى السمراء أقول..

سوف لن أكترث لهذه الأسئلة المفخخة.. لا إلى الوطن ولا إلى الهوية.. فقد كان من السهل على آدم وحواء أن يتركا الجنة.. لكن لم يكن بإمكانهما إلا أن يعيشا معاً..