الاثنين، 17 يناير 2011

لاتعديل .. بل إلغاء

عبدالهادى الحاج

ينص دستور السودان الانتقالي لعام 2005 فى المادة 27/3 على أن كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة. كما ينص فى المادة 5/2 (مصادر التشريع) على أن يكون التوافق الشعبي وقيم وأعراف الشعب السوداني وتقاليده ومعتقداته الدينية التي تأخذ في الاعتبار التنوع في السودان، مصدراً للتشريعات التي تُسن على المستوي القومي، وتُطبق على جنوب السودان أو ولاياته. لن تكون تلك المشاهد التى عرضها الفيديو المنشور على الشبكة الدولية والذىٍ بثته معظم وسائل الإعلام العالمية عن الفتاة السودانية (الحرة) التى نكل بها قانون النظام العام هى المشاهد الأخيرة كما لم تكن بالطبع هى الأولى فمثل هذه المشاهد هى النتاج الطبيعى لإفرازت قانون النظام العام، ويجدر بنا أن نقول وبكل شجاعة أن تلك المشاهد التى تكشف بجلاء ووضوح ماتتعرض له الكرامة الإنسانية فى السودان من مهانة وإذلال جراء تطبيق هذا القانون الذى لاتجد للكرامة أوالإنسانيه بين طياته موضعاً، هذا القانون الذى تم سنه فى مرحلة تاريخية كانت الراية (الإنقاذية الطالبانية) هى التى تتسيد الموقف فشد من أزره طائفة من أولئك الذين عمى بصيرتهم الهوس الدينى وإبتلاهم الله بخواء القلوب والنفوس، فجاء كأقبح وافظع ماعرفته الأمة السودانية عبر تاريخها من قوانين، وجاءت مواده الواحدة تلو الأخرى تضع الشعب السودانى من أقصى شماله لأقصى جنوبه ومن أقصى شرقه لأقصى غربه فى دائرة الإدانة والإتهام. وعلينا أن نعلم أننا كامة سودانية لسنا أحراراً كما ندعى ولن نكون أحراراً طالما ظل سيف هذا القانون مسلطاً على رقابنا ومديناً لثقافانتا ومنكلاً بأعرافنا ومنتهكاً لحرمانتا ورقيباً على ضمائرنا التى قبرناها بأيدينا حينما إعترانا الصمت لنترتضى بالمذلة بديلاً لعزة النفس، وحينما قبلنا أن ينهض غيرنا ليعلمنا مكارم الأخلاق ويحاسبنا على مايخدش حياؤنا ويستبيح حريتنا التى لاتتناسب وذوقه، وإلا فما معنى أن يصدر قانوناً خاصاً بـ(التننانير القصيرة) و(الرقص المختلط) بل وضوابط الحفلات العامة، التى يعتقد المشرع أنها أكبر جرماً من السرقة والقتل التى تحكمها مواد القانون الجنائى الذى هو بحاجة أيضاً إلى الكثير من الإصلاح. إن المبررات التى يسوغها البعض ليظل ذلك القانون جاسماً على صدورنا لاتعدوا أكثر من محاولة يائسة لذر الرماد فى العيون ومواصلة دفن الرؤوس فى الرمال وغض الطرف عن ما يحمله القانون من تعارض سافر مع مواد دستور البلاد الذى يمثل القانون الاعلى للدولة والذى ينص وبكل وضوح على أن السودان بلد متعدد الثقافات والأعراق وعلى الدولة ان تعمل على الإهتمام بهذه الثقافات وتطويرها وليس التنكيل بها ووضعها موضع الجرم كما ينص بذلك قانون النظام العام الذى يذهب فى إحدى مواده إلى أن الرقص المختلط الذى هو جزء من ثقافة جميع القبائل السودانية جريمة يجب ان يعاقب مرتكبها، فبينما يعطينا دستور البلاد الحق فى تطوير ثقافنتا وتنميتها، هاهو قانون النظام العام يستهين بها ويحط من قدرها دون أى مراعاة لهذا التعدد والتنوع الثقافى. بل والأدهى والامر أن هذا القانون يعتبر قانونا ًجنائياً من خلال صياغته القانونية مع العلم بأن التشريعات الجنائية تعد من أخطر أنواع التشريعات التى يجب خلالها مراعاة الدقة الدستورية والتشريعية لتأتى متسقة مع الدستور القومى. جاء هذا القانون فضفاضاً فى تعريفاته مثل تناوله للزى الفاضح الذى وصفه بأنه الزى الذي يخل بالآداب ويسبب مضايقة للشعور العام، تاركاً بذلك الباب مفتوحاً على مصراعيه لرجل الشرطة ليحدد ما إذا كان هذا الزى مخلاً بالآداب ومضايقاً للشعور العام أم لا !! وذلك بحسب القانون يعنى إعطاؤه سلطة القبض والإيداع فى الحراسة لمدة 24 ساعة قبل أن يتم عرضه على سلطات النيابة، ويمكن بعد ذلك وبكل بساطة أن يصبح الشخص المقبوض عليه غير مذنب وبالطبع فإن ذلك بعد أن يتم إقتياد الشخص المدان أمام مرأى ومسمع الجميع إلى (بوكس) النظام العام الذى بمجرد ذكر إسمه ترتعد الفرائض وتشمئز النفوس، مع الوضع فى الإعتبار بأن أغلب بلاغات اللبس الفاضح تتعلق بالنساء والفتيات اللائى يخرجن من بيوت اهلهن وهن يرتدين ذلك الزى الذى يتم ضبطهن بموجبه، فحتى وإن تمت تبرئتهن عبر المحكمة حتماً لن يسلمن من الأثر النفسى الذى يترتب عليهن جراء القبض عليهن وأخذهن على متن (بوكس النظام العام) ووصمة العار التى سوف تلاحقهن وتلاحق أسرهن كنتاج للسلطة التقديرية التى يخولها القانون لرجل الشرطة. أما حال المحاكمة والإدانة فإن السلطة المخولة للقاضى لإتخاذ العقوبة المناسبة أيضاً لاتخرج من إطار تقديره الشخصى أو بما يتفق مع مايراه مناسباً حسب معتقده ونمط سلوكه وطرق تربيته، هذا ما يدعونا لان نصرخ بالصوت العالى ونقول بإن هذا القانون فى مجمله يتنافى مع أبسط القواعد القانونية، وإن إلغاؤه يجب أن يصبح مطلباً شعبياً لاتراجع عنه ليس لعيوبه البنيوية وحسب إنما أيضاً حفاظاً على حرماتنا وكرامتنا وإنسانيتنا التى هى فوق كل مقام. هذا الحديث ليس من باب التضخيم أو المزايدة إنما هى نصوص ماثلة بين طيات ذلك القانون المعيب فى حقنا كأمة محافظة لها عاداتها وتقاليدها التى تعتز بها وتتمسك بها فلك أن تتخيل أن بقاؤك فى منزل خالك أوعمك مع إحدى بناته فى غيابه يعتبر (خلوة غير شرعية) طالما كانت هى من المحارم، وإنك بذلك يمكن أن تدان وتتم محاكمتك بموجب نصوص قانون النظام العام.. فأى درك سحيق هذا الذى يلقينا فيه مناصروا هذا القانون؟؟ وأى إنحطاط هذا الذى يضرب بمروءتنا عرض الحائط؟؟ وأى ردة هذه التى تلقى بنا فى غياهب العصور المظلمة؟؟. ونحن من كان يتفاخر شاعرنا ود الفراش ويقول (أنا الدابي إن رصد للزول يعيقو ** وأنا المأمون على بنوت فريقو) ولك أن تحمد الله ياود الفراش على أنك لم تشهد هذا العهد الذى لم تعد فيه ماموناً على (بنوت خالك) ناهيك أن تكون ماموناً على (بنوت فريقك). إن صياغة قانون لضبط السلوك المجتمعى دون مشاركة شرائح المجتمع المختلفة ودون إستشارة القانونيين ومنظمات المجتمع المدنى فى مناقشته، يكشف عن العقلية الإقصائية التى تسعى وراء إنفاذه وتطبيقه لضعف يتملك بنيتها السلوكية والأخلاقية لان قانوناً كهذا ينبغى أن يكون الجميع فيه شركاء فالقييم الاخلاقية هى سلوكيات يتبناها ويحرسها المجتمع ككل وليس عصبة من عديمى الأفق وسكارى السلطة، فخرجت تلك النصوص المعيبة وليداً شرعياً لتلك العقلية، لذا لم يكن مستغرباً أن تتم إجازة القانون وتطبيقه رغماً عن أنف الدستور الإنتقالى ورغماً عن أنف المواثيق الدولية لحقوق الإنسانية ورغماً عن أنف الحرائر اللائى تظاهرن ضد القانون، حينما تمت إدانة ومحاكمة الزميلة لبنى أحمد حسين بتهمة إرتداء الزى الفاضح، وحينما خرجن لتسليم مذكرة لوزارة العدل تطالب بإلغاء القانون، وفوق كل ذلك رغماً عن أنف اعراف وتقاليد الشعب السودانى التى لاتحتاج شرطى لحراستها. إن قضية فتاة الفيديو الذى تم نشره على مواقع الإنترنت ليست هى القضية الأساسية التى ينبغى أن يثور عليها الناس إنما مثلت نفاج صغير جداً كشف للجميع ما تتعرض لها فتياتنا جراء تطبيق ذلك القانون وما خفى حتماً أعظم بكثير من ما إلتقطته عدسة ذلك الهاتف، لذا لن يجدى نفعاً حديث البعض عن طريق الجلد وعن مافعلته تلك الفتاة حتى تستحق ذلك التنكيل ليذهب بنا البعض بعيداً عن صلب الموضوع بالإيدعاء بأن لديها سوابق وأنها .. وأنها، والكثير من الحديث الذى فشل مناصروا القانون من إدعائه حينما تم القبض على الزميلة لبنى أحمد حسين بتهمة إرتداء الزى الفاضح، وما أنقذ لبنى من تلك الإدعاءات هو أنها شخصية معروفة للجميع وبالتالى يصعب تلفيق مثل تلك التهم إليها، وهو ماحدث لتلك الفتاة التى لم تكن شخصية معروفة بل حتى أن ملامح وجهها لم تكن بالوضوح الذى يكفى للتعرف على شخصيتها، لذا فإن الحديث عن تلك الحوادث التى كان الجميع شاهداً عليها ينبغى أن لايأخذنا عن بيت القصيد وهو المطالبة الشعبية بضرورة إلغاء القانون ودعم المبادرات التى تصب فى هذا الإتجاه وعلى رأسها مبادرة (لا لإضهاد النساء). إن المجتع الفاضل المتحلى بالأخلاق تشكل بنيته الأساسية منظومة من القيم التى لاتنفصل عن بعضها، ليس بإصدار قانون (للتنانير القصيرة) فالذى يستبيح المال العام ويظل حراً طليقاً بيننا دون تقديمه لمحاكمة يبقى أشد خطراً على المجتمع من تلك الفتاة التى ترتدى تنورة قصيرة، والحاكم الذى يستبد ويطغى على شعبه ويتمادى فى طغيانه أشد خطراً على المجتمع من شارب الخمر، وذلك الذى يجعل البلاد ضيعة خاصة به يفعل بها وبمن فيها مايحلو له أشد خطراً على المجتمع من الزانى، فجميع تلك الجرائم تندرج تحت منظومة الأخلاق فلايمكن أن يستقيم الظل والعود أعوج.

الاثنين، 28 يونيو 2010

ماذا أنتم قائلون؟؟

عبدالهادى الحاج

قبل خمس سنوات كانوا قلة اولئك الذين أنذروا مواطنى البحر الأحمر بعهد التنمية المقلوبة.. التنمية المظهرية كما يحلو لهم تسميتها .. وكثيرون هم أولئك الذين كانوا يبشرون بالنهضة الكبرى التي سوف تشهدها الولاية.. وهم الذين باتت تترآى لهم روعة مدينة دبي لؤلؤة الخليج.. وكيف ستتجاوزها بورتسودان روعة وجمالاً.. مرت السنون والمتفائلون اعدادهم تتناقص بعد أن بدأت تتكشف لهم حقيقة التنمية المظهرية التي أهملت الانسان وإهتمت بالبنيان.. والمتشائمون في ازدياد بعد أن كفر الكثيرون بالأحلام التي ظنوها واقعاً فلم يشربوا مياه النيل التي كانت قاب قوسين أو ادنى لتحل أم المشاكل في بورتسودان.. وبعد أن نظروا حولهم فوجدوا أن اكثر من نصف المدينة لايزال مظلماً كما كان قبل ذلك .. فكيف لهم أن يستوعبوا أن دبي يمكن أن يكون نصفها مظلماً.. حينها كان الغاضبون ينحصرون في فئة اصحاب المقاعد الدائمة في دواوين السلطة والذين جُردوا من هذا الامتياز.. فاتسعت الدائرة لتشمل المعاشيين والموظفين.. والعاطلين عن العمل.. والمستقطعة رواتبهم.. والتجار.. وأخيراً وليس آخراً العربجية والسقايين وما أكثرهم .. ليصبح الحديث عن التنمية المقلوبة هو حديث العامة من قاطني الولاية.. ولايشمل ذلك زوارها الذين يستقبلهم شارع ترانسيت بجدارياته واشاراته المرورية ولوحاته الارشادية والذين لشدة انبهارهم بذلك الشارع ولولا خشية الكفر لطلبوا من أهل بورتسودان أن يركعوا لذلك الساحر الذي وهبه الله عصاة موسى.. لايهم فالأغلبية باتت تؤمن بنظرية التنمية المقلوبة والدعوة الى الجوهر لا المظهر.. وأن تحدثت بغير ذلك فهذا يعني أن توصم بالجهل والبلادة والسطحية.. أتت الانتخابات والكل على يقين بأن عهد التنمية المقلوبة قد بدأ يصارع سكرات الموت.. فجماهير الولاية جميعها أدركت هذه (الفريه) التي يطلق عليها أهل السلطة وأصحاب الحظوة (تنمية) فكانت الحشود التي أرهبت أهل السلطة أنفسهم.. ونسى الجميع أن ما يحدث في البحر الأحمر هو حلقة واحدة ضمن سلسلة طويلة تكبل عنق الوطن.
فعادت التنمية المقلوبة مرة أخرى عبر البوابة التي أطلقوا أسموها بالشرعية.. وحقيقة عودتها الزائفة رغماً عن أنف الجميع لم تكن تحتاج لتأكيد ولم يجد المتشائمون صعوبة في اثباتها.. فيكفي الفضيحة التي شاهدها العالم اجمع عبر شبكته العنكبوتية .. ويكفي أن البحر الأحمر هي الولاية التي منت عليها المحكمة العليا بعدد لايستهان من الطعون.. ويكفي .. ويكفي.. ويكفي..!
وهاهي التنمية المقلوبة واقعاً ماثلاً مرة أخرى فماذا أنتم فاعلون.. وهاهي أولوياتها تتقزم.. فبعد أن كانت سفلتة الشوارع وانشاء الكورنيشات تفوق أهميتها اهمية توفير ابسط المستلزمات الطبية لمستشفيات المدينة.. أصبح الصراع حول إزالة مجسمات المعالم التاريخية من مداخل المنازل هي الشغل الشاغل.. وهل يحق للمواطن أن يجعل من بوابة سواكن مدخلاً لمنزله أم لا.؟! وهل الحق في إزالتها مخول لسلطة الآثار أم لحكومة الولاية.. وهل سيتمكن قانونى السلطة من إيجاد مسوغ كاف لإزالة تلك البوابة المغضوب عليها حتى يلبوا رغبة جامحة بإزالتها.. أم ستهزمهم نصوص القانون .. في الوقت الذي يصطلي فيه أهل المدينة بلهيب الصيف وإنعدام المياه.. ولكن الامر بسيط عند أدعيا التنمية المقلوبة.. فليغادر الناس المدينة.. نعم عليهم أن يغادروها .. ولتغلق المدارس ابوابها.. وتجمد الجامعات فصولها الدراسية.. ومن اراد أن يبقى في المدينة ليشهد صراع إزالة المعالم الأثرية من واجهات المنازل فسوف نحضر له القطارات المحملة بمياه النيل.. ومن فضلكم لا تزعجونا بالحديث عن الماء والصيف.. هذا الحديث الذي سمعناه مراراً وتكراراً.. ومن لايعجبه ذلك فعليه أن يشرب من البحر..
يروي عن الشاعر الضرير بشار بن برد والذي عرف بهجائه المر لأعدائه أنه قد دخل عليه أحد الاعراب في مجلسه وطلب من الجميع أن ينصتوا اليه ثم بدأ في إلغاء قصيدة هجاء فيها بشار بن برد أشد الهجاء.. فغضب بشار غضباً شديداً وسأل عن من يكون هذا المعتوه الذي يهجوه على رؤس الاشهاد..
فأجابه الإعرابي قائلاً: أنا فلان بن فلان .. ثم عدد جميع الصفات القبيحة ونسبها لنفسه وقال لبشار ماذا أنت قائل؟؟ فصمت بشار لأنه لم يجد شيئاً يهجو به ذلك المعتوه .. فماذا أنتم قائلون يا أهل المدينة المغضوب عليها؟!

وزير نتيجة لتشابه أسماء

عبدالهادى الحاج

(معالي الوزير) فيلم سينمائي للنجم أحمد زكي يجسد من خلاله شخصية موظف صغير يتم إبلاغه بأن إسمه قد ورد ضمن قائمة الوزراء الذين اُعلنت اسماؤهم في تشكيل وزاري جديد وعليه أن يحضر أمام رئيس الجمهورية لأداء القسم.. رغم احساس الموظف بأن في الأمر شيئاً ما إلا أنه أعتقد انه ربما يكون الحظ قد ابتسم له ليجلس على الكرسي الوثير.. وفي اليوم المحدد لأداء القسم يكتشف الرئيس ان الشخص الذي يقف أمامه ليس هو الشخص المعني وأن الأمر لايعدو أكثر من تشابه اسماء.. ولكن خوفاً من الفضيحة التي يمكن أن تحدث إن اكتشفت الصحافة الأمر تمكن معاونوا الرئيس من إقناعه بقبول الأمر الواقع وإعتماد ذلك الموظف الصغير ضمن قائمة الوزراء ومن ثم إعفاءه من منصبه في أقرب فرصة.. فالخوف من الفضيحة هو الذي شفع لذلك الموظف لدخول الوزارة وليست توسلاته للرئيس وتعهده له بأنه سوف يبذل كل ما في وسعه ليؤكد أنه أهلاً لهذا المنصب .. وهكذا أصبح الموظف الصغير وزيراً (نتيجة لتشابه أسماء) كما يتندر عليه بذلك الذين علموا بالأمر.. ولكن تلك (التريقة) التي كان دوماً يجدها من الحاسدين لم تقلل من عزيمته في السعي لتأكيد أهليته للمنصب الذي أتى اليه عبر البوابة الخطأ.. فأصدر القرارات وأعطى التوجيهات وبطش كل متكاسل بيد من حديد.. في الوقت الذي كان يقدم فيه فروض الطاعة والولاء لرئيسة كلما وجد متسعاً لذلك.. حينها لم يجد الرئيس مبرراً لإعفائه ليظل في منصبه (وزيراً نتيجة لتشابه اسماء).. لتطارده بعد ذلك كوابيس الإعفاء من الوزارة ويؤثر ذلك على جميع تفاصيل حياته اليومية.. وعلى العموم فإن (معالي الوزير) تجربة درامية جديرة بإعادة القراءة طالما كانت الدراما هي الأداة التي تأخذنا من موقعنا على خشبة مسرح الفعل اليومي لتحيلنا الى نظارة ومشاهدين للعرض الذي كثيراً ما نستمتع بسخريته من الواقع الذي نجسده في حياتنا.. فلا تزال مجالس المدينة تتناول طرائف التشكيل الوزاري الذي تم في البحر الأحمر على الرغم من مرور وقت على الحدث.. ولازالت مجالس المدينة تحكي الحكايا عن من اُبلغ بالهاتف بأنه قد صار دستورياً.. وعن من أطبقت على منزله جحافل المهنئين.. الذين أتوا ليباركوا له وزارة علم منهم أنه قد تم إختياره لها.. وعن من نحر الذبائح .. ونصب الخيام.. وعن من اعتذر وتعفف عن المنصب.. وعن من ستهطل عليه سحائب العلاوات والبدلات.. وعن..وعن..
وبالطبع في خضم هذا المشهد يصبح الحديث عن الخبرة وعن المؤهلات مجرد حديث مترفين لايعلمون معنى أن يظل الوزير أو المعتمد أو المستشار تحت رحمة سيف الإعفاء من المنصب الذي لم يكن يترآئ له يوماً في أحلامه يقظة كانت أو مناماً.. فليس أمامه حيال هذا الوضع إلا أن يسبح بحمد (والي نعمته) آناء الليل وأطراف النهار.. وهنا لابد من بعض طقوس (الحنفشة والفورة) في استهلالية مشوار المنصب الجديد عبر الزيارات التفقدية والمطالبة بالتقارير وإصدار القرارت والتوجيهات والتبشير بالعهد الجديد المختلف شكلاً ومضموناً عن العهود السالفة.. قبل أن يكشف صاحبنا أنه لم يكن أكثر من مجرد كومبارس في مشهد درامي يكتنفه الهزل.. حينما تأتي مرحلة اللهث وراء صرف المستحقات ويصبح الحصول على المرتب هو أضعف الايمان.. يالها من مسرحية سخيفة.. هزيلة... بايخة..!
اه.. نسيت أن اسرد قصة ذلك الذي أتى الى المدينة وغايته أن يمضي إجازة رائعة مع الأهل والاحباب ولم يكن يدري أن ما ينتظره أروع من تلك الإجازة التي قطع لأجلها الأميال.. فكان أن تم تعيينه وزيراً في الاسبوع الأول من إجازته.